تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

أخبرتني صديقتي فلانة حاملة شهادة, أنها كانت في القطار بين الإسكندرية والقاهرة، وكانت معها فتاة من جيرتها تحمل الشهادة الابتدائية؛ فجمعهما السفر بشاب وسيم ظريف يشارك في الأدب، غير أنه رجعي "متأخر"، وصديقتي تعرف من كل شيء شيئا، وتأخذ من كل فن بطرف؛ فجرى الحديث بينهما مجراه، وتركت الصديقة نفسها لدواعيها، وانطلقت على سجيتها الظريفة، ووضعت فن لسانها في الكلام فجعلت فيه روح التقبيل!

ولم تبلغ إلى القاهرة حتى كانت قد سحرت ذلك "المتأخر" ووقعت من نفسه، ودفعته إلى الزمن الذي هو فيه, فلما همت بوداعه سألهما: أين تذهبان؟

فأغضت صاحبة الشهادة الابتدائية، وأطرقت حياء، ورأت في السؤال تهمة وريبة، فأنبتها الصديقة وأيقظتها من حيائها، وقالت لها: ألا تزالين شرقية متأخرة؟ إن لم يسعدنا الحظ أن تكون لنا حرية المرأة الأوروبية في المجتمع وفي أنفسنا؛ أفلا يسعنا أن تكون لنا هذه الحرية ولو في أنفسنا؟

ثم ردت على الشاب فأنبأته بمكانها وعنوانها، فأطمعه ردها، فسألها أن تتنزه معه في بعض الحدائق، فأبت صاحبة الابتدائية ولجت عمايتها الشرقية المتأخرة، ورأت في ذلك مسقطة لها، فلوت إلى دارها وتركتهما إنسانا وإنسانا لا فتى وفتاة؛ وتنزها معا، وعرف الشاب الرجعي الحب، والخمر التي هي تحية الحب!

ولم تستطع الفتاة الماكرة أن ترجع إلى دارها وهي سكرى كما زعمت للشاب, فأوت إلى فندق، وختمت روايتهما بإعراض من الشاب, أجابت هي عليه بقولها: ألا زلت "متأخرا"؟

قالت "الطائشة":

نعم يا عزيزي "المتأخر"، إن مذهب المرأة الحرة في الفرق بين الزوج وغير الزوج؛ إن الأول رجل ثابت، والآخر رجل طارئ. والثابت ثابت معها بحقه هو؛ والطارئ طارئ عليها بحقها هي. فإن كانت حرة فلها حقها.

قال كاتب الطائشة: وهنا، هنا، هنا, كاد الشيطان يرفع الستار عن فصل ثالث في هذه الرواية، رواية "الطائشة".

نقول نحن: وإلى هنا ينتهي نصف الرواية؛ أما النصف الآخر فيكاد يكون قصة أخرى اسمها: "الطائش والطائشة".

وحي القلم · الجزء ١ · الصفحة ١٦٠

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

وحي القلمج ١ · ص ١٦٠