الطائشة
1:
قال صاحبها وهو يحدثني من حديثها:
كانت فتاة متعلمة، حلوة المنظر، حلوة الكلام، رقيقة العاطفة، مرهفة الحس، في لسانها بيان ولوجهها بيان غير الذي في لسانها، تعرف فيه الكلام الذي لا تتكلم به.
ولها طبع شديد الطرب للحياة، مسترسل في مرحه، خفيف طياش، لو أثقلته بجبل لخف بالجبل؛ تحسبها دائما سكرى تتمايل من طربها، كأن أفكارها المرحة هي في رأسها أفكار وفي دمها خمر.
وكان هذا الطبع السكران بالشباب والجمال والطرب يعمل عملين متناقضين؛ فهو دلال متراجع منهزم، وهو أيضا جرأة مندفعة متهجمة.
وهزيمة الدلال في المرأة إن هي إلا عمل حربي، مضمرة فيه الكرة والهجوم؛ وكثيرا ما ترى فيها النظرة ذات المعنيين نظرة واحدة؛ بها تؤنبك المرأة على جراءتك معها، وبها أيضا تعذلك على أنك لست معها أجرأ مما أنت!
قلت: ويحك يا هذا! أتعرف ما تقول؟
قال: فمن يعرف ما يقول إذا أنا لم أعرف؟ لقد أحببت خمس عشرة فتاة؛ بل هن أحببنني وفرغن قلوبهن لي، ما اعتزت علي منهن واحدة، وقد ذهبن بي مذهبا، ولكني ذهبت بهن خمسة عشر!
قلت: فلا ريب أنك تحمل الوسام الإبليسي الأول من رتبة الجمرة, فكيف استهام بك خمس عشرة فتاة؛ أجاهلات هن، أعمياوات هن؟
قال: بل متعلمات مبصرات يرين ويدركن، ولا تخطئ واحدة منهن في فهم أن رجلا وامرأة قصة حب, وما خمس عشرة فتاة؟ وما عشرون وثلاثون من فتيات هذا الزمن الحائر البائر، الذي كسد فيه الزواج، ورق فيه الدين، وسقط الحياء، والتهبت