تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طائفة من جزيرة العرب والرجوع مع تاريخها إلى عهدها الأول الذي يتوارث علمه شيوخ القبيلة وأهل أنسابها، لخرج من ذلك علم صحيح في تأريخ اللغة وأدوار نشأتها الاجتماعية، يرجع إليه على تطاول الأيام وتقادم الأزمنة؛ ولكان هذا يعد أصلا فيما يمكن أن يسمى تاريخ آداب العرب، يفرعون منه ويحتذون مثاله في الشعر وغيره من ضروب الأدب.

ولكن القوم انصرفوا عن هذا وأمثاله لاعتقادهم أصالة اللغة، وأنها خلقت كاملة بالوحي والتوقيف، وإذا أفصح اللهجات إنما هي لهجة إسماعيل عليه السلام، وهي العربية القديمة الجيدة كما قال سيبويه.

والرجوع بالتاريخ اللفظي إلى عهد إسماعيل ضرب من المحال، ومن تكلم فيه فقد أكبر القول؛ لأن الله يقول لنبيه صلى الله عليه وسلم عن الأمم وسيرهم: ﴿منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك﴾ [غافر: 78] . وعلى هذا اعتبروا لهجات العرب لعهدهم كأنها أنواع منحطة خرجت عن أصلها القرشي بما طرأ عليها من تقادم العهد وعبث التاريخ، فلم يجيئا ببعضها إلا شاهدا على الفصاحة الأصلية في العربية وخلوها من التنافر والشذوذ، وتماما على الذي جمعوه من أصول العربية، وتفصيلا لكل شيء إلا التاريخ.

مع أن الرواة قد وضعوا كتبا كثيرة ومصنفات ممتعة في قبائل العرب ومنازلها وأنسابها وأسمائها واشتقاق الأسماء وألقابها ومدحها وأشعارها وفرسانها وأيامها، ونحو ذلك مما يرجع إلى التاريخ المتجدد، فلو اعتقدوا اللغات بسبب من ذلك ولم يعرفوها بالوصف الديني الثابت الذي لا يتغير

في حقيقته, لأجروها مجرى غيرها من آثار التاريخ ولكن ذلك الزمن قد طوي بأهله, ولحق فرعه بأصله، فبقي ذلك الخطأ التاريخي كأن صوابه من بعض التاريخ الذي هو حديث الغيب!

نقول هذا وقد قرأنا ما بين أيدينا من كتب الفهرست والتراجم والطبقات على كثرتها، وتبينا ما يسرد فيها من أسماء الكتب والأصناف، عسى أن نجد من آثار أحد الرواة أو العلماء ما يدل على وضع كتاب في تاريخ لهجات العرب وتمييز لغاتها على الوجه الذي أومأنا إليه، أو ما عسى أن نستدل به على أنهم كانوا يعتبرون ذلك اعتبارا تأريخيا؛ ولكنا خرجنا منها على حساب ما دخلنا فيها: صفر في صفر؛ ولم يزدنا تعداد أسماء الكتب علما بموت هذا العلم وأنه لا كتب له، للسبب الذي شرحناه من اعتبارهم أصالة العربية.

بيد أننا استفدنا تحقيق معنى اللغات في اصطلاحهم بما يقطع الريب ويمتلخ عرق الشبهة فيما أيقنا به، فقد وجدنا كتاب التراجم، والطبقات مجمعين في صنيعهم على أن اللغات: إنما هي الشواذ والنوادر واختلاف المعاني للكلمة الواحدة باختلاف المتكلمين بها، وما يتعاور الأبنية من الاختلاف الصرفي والنحوي؛ لأن كل وجه من ذلك إنما هو أثر من لغة، وعلى هذه السبيل يقولون مثلا: كان منفردا في حفظ اللغات والآداب، وكان من شيوخ العلم عارفا باللغات والإعراب، وكان حافظا للتفسير والحديث ذاكرا للأدب واللغات، وكان مبرزا في علم العربية حافظا للغات. وأوضح من هذا أننا رأينا لعمر بن شبة النحوي المتوفى سنة 262ه كتابا سماه "الاستعانة بالشعر وما جاء من اللغات"

تاريخ آداب العرب · الجزء ١ · الصفحة ٩٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ آداب العربج ١ · ص ٩٢