تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

اللغات الآربة إلى ثلاثة أصول أيضا: وهي اللاتينية، واليونانية، والسنسكريتية. وكل من هذين النوعين بأصوله يرد عندهم في الاشتقاق إلى لغة مفقودة يتوهمونها انفصلت عنها هذه اللغات، فكانت متاشبهة في أول عهدها؛ جعلت تتنوع وتتباين حتى قلت وجوه المشابهة إلا ما يكون من قبيل الدلالة التاريخية على وحدة الأصل.

والذي يعنينا من هذا البحث أن نكشف عن أصل العربية، وإنما سقنا ذلك توطئة حتى يجيء الكلام آخذا بعضه ببعضه.

الأصل السامي:

رجع علماء الأثر الذين تخاطبهم الأرض بلغتها الحجرية الصامتة فينقلون عنها آثار الأول، أن الأصل السامي الذي انشقت منه اللغات المتقدمة إنما هو اللسان البابلي القديم، الذي عثروا على بقيته من آثار دولة حمورابي كما أومأنا إليه في أصل العرب؛ لأنهم رأوا مشابهة قريبة بين هذا اللسان وبين العربية، بل رأوا كلمات في العربية، كأنما نقلت عن البابلية نقلا صريحا، مع أنها في العبرانية والسريانية قد دخلها التحريف. وعللوا ذلك بأن العربية بادية، فهي قلما تتغير كلغات الحضر التي تتنازعها التبعية لغيرها والاستقلال بنفسها، على حسب ما يتقلب عليها من أدوار العمران؛ فمن المشابهة بين البابلية والعربية، حركات الإعراب، وهي في اللغتين واحدة، ولا وجود لها في سائر اللغات السامية، حتى لقد كانوا يذهبون قبل ذلك الاكتشاف إلى أنها من اختراع العرب، تميزوا بها لرقة ألسنتهم وتوخيهم عذوبة البيان كما سنفصله في موضعه.

واللغات تتباين في سكون الآخر، وتحريكه؛ فالتحريك في السنسكريتية القديمة، وفي بعض اللغات الأوروبية الحاضرة: كالإيطالية، والإسبانية؛ ولكن جميعها خالية من هذا الضبط الموزون بالحركات المتساوقة التي تجدها إعرابا في العربية؛ ويقال أيضا إن ما اكتشفوه من لغة بطره وتدمر، يوجد فيه آثار لحركات الإعراب، وذلك لأن أهلهما من بقايا العمالقة.

ومن تلك المشابهة: التنوين، فهو في البابلية ميم، وفي العربية نون، وهما من أحرف الإبدال، ومن العرب من يجوز إبدال أحدهما من الآخر كما سيمر بك -ومنها علامة الجمع، فهي في البابلية الواو والنون كما في العربية- وفي السريانية الياء والنون، وفي العبرانية الياء والميم- ومنها أن صيغ الأفعال في البابلية أقرب إلى الصيغ العربية منها إلى غيرها من سائر اللغات السامية.

أما الكلمات التي حفظت في العربية كأنها نقل صريح عن البابلية مع تغيرها في سواها، فمنها لفظة "أنف" سقطت نونها في العبرانية والسريانية دون العربية والبابلية؛ وكذلك لفظة "عنب" فهي أيضا ساقطة النون في تينك دون هاتين.

ولما رجحوا أن البابلية هي اللغة السامية الأصلية، أو هي بقيتها بعد أن تنوعت، قالوا: إن هذا الأصل تفرعت منه سائر اللغات السامية، ثم انفصلت اللغات الشمالية عن الجنوبية، وتميزت كل طائفة منها بخصائص بحيث لا يمكن أن تكون إحدى الطائفتين قد أخذت لغتها عن الأخرى، لتميز اللغات

تاريخ آداب العرب · الجزء ١ · الصفحة ٥١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

تاريخ آداب العربج ١ · ص ٥١