الافعال البشرية أو الحيوانية فلا بد لها من أسباب متقدمة عليها بها تقع في مستقر العادة وعنها يتم كونه وكل واحد من هذه الاسباب حادث ايضا فلا بد له من أسباب أخر ولا تزال تلك الاسباب مرتقية حتى تنتهي إلى مسبب الاسباب وموجدها وخالقها سبحانه لا إله الا هو وتلك الاسباب في ارتقائها تتفسح وتتضاعف طولا وعرضا ويحار العقل في ادراكها وتعديدها فإذا لا يحصرها الا العلم المحيط سيما الافعال البشرية والحيوانية فان من جملة اسبابها في الشاهد المقصود والارادات اذ لا يتم كون الفعل الا بارادته والقصد اليه والقصود والارادات امور نفسانية ناشئة في الغالب عن تصورات سابقة يتلو بعضها بعضا وتلك التصورات هي اسباب قصد الفعل وقد تكون اسباب تلك التصورات تصورات اخرى وكل ما يقع في النفس من التصورات مجهول سببه اذ لا يطلع أحد على مبادئ الامور النفسانية ولا على ترتيبها إنما هي اشياء يلقيها الله في الفكر يتبع بعضها بعضا والانسان عاجز عن معرفة مباديها وغاياتها وانما يحيط علما في الغالب بالاسباب التي هي طبيعية ظاهرة يوقع في مداركها على نظام وترتيب لأن لاطبيعة محصورة للنفس وتحت طورها
واما التصورات فنطاقها اوسع من النفس لانها للعقل الذي هو فوق طور النفس فلا تدرك الكثير منها فضلا عن الاحاطة بها وتامل من ذلك حكمة الشارع في نهيه عن النظر إلى الاسباب والوقوف معها فإنه واد يهيم فيه الفكر ولا يحلو منه بطائل ولا يظفر بحقيقة قل الله ثم ذرهم في خوضهم يلعبون وربما انقطع في وقوفه عن الارتقاء إلى ما فوقه فزلت قدمه واصبح من الضالين الهالكين نعوذ بالله من الحرمان والخسران المبين ولا تحسبن ان هذا الوقوف أو الرجوع عنه في قدرتك واختيارك بل هو لون يحصل للنفس وصبغة تستحكم من الخوض في الاسباب على نسبة لا نعلمها اذ لو عملناها لتحرزنا منها فلنتحرز من ذلك بقطع النظر عنها جملة وأيضا فوجه تأثير هذه الاسباب في الكثير من مسبباتها مجهول لانها