تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنَا مَكِينٌ أَمِينٌ (54) قَالَ اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ (55)

(فَلَمَّا كَلَّمَهُ قالَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ لَدَيْنا مَكِينٌ أَمِينٌ)

وفي هذا إيماء إلى أن الحوار بين المتخاطبين يظهر معارف الإنسان وأخلاقه، وآدابه وجميع شمائله، فيقدره من يعرف أقدار الرجال ويزنهم بفضائلهم ومزاياهم.

والظاهر أن الملك كلمه مشافهة بدون ترجمان، لأن يوسف كان قد عرف اللغة المصرية من العزيز وامرأته بمحادثته إياهما ومع حاشية الوزير من حين قدم مصر، ومن محادثته صاحبيه في السجن.

وقد تكون اللغة التي كان يتكلم بها يوسف لغة جده إبراهيم وأولاده وحفدته وكانوا من العرب القحطانيين ثم تفرعت من هذه العربية الإسماعيلية فالمصرية والعبرانية والسريانية، وكان ملوك مصر وكبراء حكامها في ذلك العهد من أولئك العرب وهم الذين يسمون بالرعاة (الهكسوس).

ويقول المؤرخون إن ملك مصر في ذلك العهد كان يسمى الوليد بن الريان.

(قالَ اجْعَلْنِي عَلى خَزائِنِ الْأَرْضِ) الخزائن واحدها خزانة وهي ما تخزن فيه غلات الأرض ونحوها، أي قال ولّنى خزائن أرضك كلها، واجعلنى مشرفا عليها، لأنقذ البلاد من مجاعة مقبلة عليها تهلك الحرث والنسل.

ثم ذكر سبب طلبه فقال: (إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ) أي إني شديد الحفظ لما يخزن فيها، فلا يضيع منه شيء، أو يوضع في غير موضعه، عليم بوجوه تصريفه وحسن الانتفاع به.

وقد طلب إدارة الأمور المالية، لأن سياسة الملك وتنمية العمران وإقامة العدل فيه تتوقف عليها، وقد كان مضطرا إلى تزكية نفسه في ذلك حتى يثق به الملك ويركن إليه في تولية هذه المهامّ.

وما أضاع كثيرا من الممالك الشرقية في القرون الأخيرة إلا الجهل والتقصير في النظام المالي وتدبير الثروة وحفظها في الدولة والأمة.

من لطائف وأسرار (تفسير المراغي) · الصفحة ٤٥٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من لطائف وأسرار (تفسير المراغي)ص ٤٥٧