تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

(قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (26) وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ (27)

وكانت الأمارات دالة على صدق يوسف لوجوه:

(1) إن يوسف كان مولى لها، وفي مجرى العادة أن المولى لا يجرؤ أن يتسلط على سيدته ويتشدد إلى مثل هذا.

(2) إنهم رأوا يوسف يعدو عدوا شديدا ليخرج، ومن يطلب امرأة لا يخرج على هذا النحو.

(3) إنهم رأوا الزينة قد بدت على وجه المرأة، ولم يكن لها من أثر على وجه يوسف.

(4) إنهم لم يشاهدوا من أخلاق يوسف في تلك الحقبة الطويلة ما يؤيد مثل هذه التهمة أو يقوى الظن عليه بأنه هو الطالب لا الهارب.

وقد أظهر الله لبراءته ما يقوّى تلك الدلائل الكثيرة التي تظاهرت على أن بدء الفتنة كانت منها لامنه وأنها هي المذنبة لا هو وذلك ما أشار إليه بقوله:

(وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ أَهْلِها إِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكاذِبِينَ. وَإِنْ كانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ) أي وحكم ابن عمّ لها مستدلا بما ذكر، وكان عاقلا حصيف الرأي فقال: قد سمعنا جلبة وضوضاء ورأينا شق القميص إلا أنا لا ندري أيّكما كان قدام صاحبه، فإن كان شق القميص من قدام فصدقت في دعواها أنه أراد بها سوءا، إذ الذي يقبله العقل أنه لما وثب عليها أخذت بتلابيبه فجاذبها فانقدّ قميصه وهما يتنازعان ويتصارعان، وهو من الكاذبين في دعواه أنها راودته فامتنع وفرّ هاربا فتبعته وجذبته تريد إرجاعه، وإن كان قميصه قدّ من الخلف فكذبت في دعواها أنه هجم عليها يريد ضربها، وهو من الصادقين في قوله:

أنه فرّ هاربا منها.

روي أن هذا الشاهد كان صبيا في المهد وأيدوه بما نقل عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «تكلم أربعة وهم صغار: ابن ما شطة فرعون، وشاهد يوسف، وصاحب جريج، وعيسى ابن مريم»

وما رُويَ عن أبى هريرة قال «عيسى بن مريم وصاحب يوسف وصاحب جريج تكلموا في المهد»

وهذا موقوف لا يصلح الاحتجاج به، والأول قد ضعفه رجال الحديث، إلا أنه لو نطق الطفل بهذا لكان قوله كافيا في تفنيد زعمها دون حاجة إلى الاستدلال بتمزيق القميص، لأنه من الدلائل الظنية، وكلامه في المهد من الدلائل اليقينية، وأيضا لو كان كذلك لما كان هناك داع إلى قوله:

من أهلها الذي ينفى التحامل عليها ويمنع إرادة الضربها، وأيضا فإن لفظ (الشاهد) لا يقع عرفا إلا على من تقدمت معرفته لما يشهد وإحاطته به.

من لطائف وأسرار (تفسير المراغي) · الصفحة ٤٤٧

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

من لطائف وأسرار (تفسير المراغي)ص ٤٤٧