(قُلْ لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا تَلَوْتُهُ عَلَيْكُمْ وَلَا أَدْرَاكُمْ بِهِ فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُرًا مِنْ قَبْلِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (16)
(فَقَدْ لَبِثْتُ فِيكُمْ عُمُراً مِنْ قَبْلِهِ) أي فقد مكثت بين ظهرانيكم عمرا طويلا من قبله وهو أربعون سنة لم أتل عليكم سورة من مثله ولا آية تشبه آياته، لا في العلم والهداية، ولا في البيان والبراعة.
(أَفَلا تَعْقِلُونَ) أي أفلا تعقلون أن من عاش أربعين سنة لم يقرأ كتابا ولم يلقّن من أحد علما ولم يتقلد دينا ولم يمارس أساليب البيان وأفانين الكلام من شعر ونثر وخطابة وفخر وعلم وحكمة - لا يمكنه أن يأتي بمثل هذا القرآن المعجز لكم ولجميع الدارسين لكتب الأديان، فكيف تقترحون عليّ أن آتى بقرآن غيره.
وقد كان أكثر أنبياء بني إسرائيل قبل نبوتهم على شيء من العلم كما قال تعالى في موسى «وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً» وقال في يحيى «وَآتَيْناهُ الْحُكْمَ صَبِيًّا».
(فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرى عَلَى اللَّهِ كَذِباً أَوْ كَذَّبَ بِآياتِهِ) أي إن شر أنواع الظلم والإجرام في البشر شيئان:
(1) افتراء الكذب على الله، وذلك بما اقترحتموه على الإتيان بقرآن غيره.
(2) التكذيب بآيات الله بما اجترحتموه من السيئات.
وقد نعيت عليكم الثاني منهما، فكيف أرضى لنفسي الأول وهو شر منه، وإنّ أهم أغراض رسالتي الإصلاح، ولأجله أحتمل المشاقّ، وأقبل في سبيله كل إرهاق، فلا فائدة لي في هذا الإجرام.