تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

من مراجعة هذه النصوص القرآنية وأمثالها - وهو كثير في القرآن المكي والمدني على السواء - يتبين أن النظرة إلى حقيقة ما عليه أهل الكتاب من الانحراف عن دين اللّه الصحيح لم يتغير فيها شيء في التقريرات الأخيرة الواردة في السورة الأخيرة . وأن وصمهم بالانحراف والفسوق والشرك والكفر ليس جديداً , ولا يعبر عن اتجاه جديد فيما يختص بحقيقة الاعتقاد . . وذلك مع ملاحظة أن القرآن الكريم ظل يسجل للفريق المهتدي الصالح من أهل الكتاب هداه وصلاحه . فقال تعالى منصفاً للصالحين منهم: (ومن قوم موسى أمة يهدون بالحق وبه يعدلون) . . . [ الأعراف:159 ] .

ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك , ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائماً , ذلك بأنهم قولوا:ليس علينا في الأميين سبيل , ويقولون على اللّه الكذب وهم يعلمون . . . [ آل عمران:75 ] . ضربت عليهم الذلة أينما ثقفوا إلا بحبل من اللّه وحبل من الناس , وباءوا بغضب من اللّه , وضربت عليهم المسكنة , ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات اللّه , ويقتلون الأنبياء بغير حق , ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون . ليسوا سواء:من أهل الكتاب أمة قائمة يتلون آيات اللّه آناء الليل وهم يسجدون . يؤمنون باللّه واليوم الآخر , ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات , وأولئك من الصالحين وما يفعلوا من خير فلن يكفروه ; واللّه عليم بالمتقين . . . [ آل عمران:112 - 115 ] .

أما الذي وقع فيه التعديل فعلاً فهو أحكام التعامل مع أهل الكتاب . فترة بعد فترة . ومرحلة بعد مرحلة . وواقعة بعد واقعة . وفق المنهج الحركي الواقعي لهذا الدين في مواجهة أحوال أهل الكتاب وتصرفاتهم ومواقفهم مع المسلمين .

ولقد جاء زمان كان يقال فيه للمسلمين: (ولا تجادلوا أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن - إلا الذين ظلموا منهم - وقولوا:آمنا بالذي أنزل إلينا(وأنزل إليكم , وإلهنا وإلهكم واحد , ونحن له مسلمون) . . . [ العنكبوت:46 ] .

(قولوا آمنا باللّه وما أنزل إلينا وما أنزل إلى إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط , وما أوتي موسى وعيسى وما أوتي النبيون من ربهم , لا نفرق بين أحد منهم , ونحن له مسلمون . فإن آمنوا بمثل ما آمنتم به فقد اهتدوا , وإن تولوا فإنما هم في شقاق , فسيكفيكهم اللّه , وهو السميع العليم) . . . [ البقرة:136 - 137 ] .

(قل:يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم:ألا نعبد إلا اللّه ولا نشرك به شيئاً , ولا يتخذ بعضنا بعضاً أرباباًَ من دون اللّه . فإن تولوا فقولوا:اشهدوا بأنا مسلمون) . . . [ آل عمران:64 ] .

(ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم من بعد ما تبين لهم الحق , فاعفوا واصفحوا حتى يأتي اللّه بأمره , إن اللّه على كل شيء قدير) . . [ البقرة:109 ]

ثم أتى اللّه بأمره الذي وكل المؤمنين إليه ; فوقعت أحداث , وتعدلت أحكام , وجرى المنهج الحركي الواقعي الإيجابي في طريقه حتى كانت هذه الأحكام النهائية الأخيرة , في هذه السورة , على النحو الذي رأينا . . .

إنه لم يتغير شيء في نظرة هذا الدين إلى حقيقة ما عليه أهل الكتاب من فساد العقيدة ; ومن الشرك باللّه والكفر بآياته . . إنما الذي تغير هو قاعدة التعامل . . وهذه إنما تحكمها تلك الأصول التي أسلفنا الحديث عنها في مطلع هذا الفصل التمهيدي لهذا المقطع من سياق السورة , في هذه الفقرات:

"وهذا التعديل الأخير في قواعد التعامل بين المجتمع المسلم وأهل الكتاب لا يفهم على طبيعته , إلا بالفقه المستنير لطبيعة العلاقات الحتمية بين منهج اللّه ومناهج الجاهلية من ناحية . ثم لطبيعة المنهج الحركي الإسلامي ومراحله المتعددة , ووسائله المتجددة , المكافئة للواقع البشري المتغير , من الناحية الأخرى . . . الخ" .

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ · الصفحة ١٩٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لماذا يمزق القرآن الكريم؟؟ص ١٩٩