***************
وقال تعالى :﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلّه فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ (39) سورة الأنفال
(حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله) . .
ومع أن غاية الجهاد قد تحددت بهذا النص الواضح ; وتبين منها أنه جهاد لله , وفي سبيل أهداف تخص دعوة الله ودينه ومنهجه للحياة . .
ومع أن ملكية الأنفال التي تتخلف عن هذا الجهاد قد بت في أمرها من قبل , فردت إلى الله والرسول , وجرّد منها المجاهدون لتخلص بينّتهم وحركتهم لله . . مع هذا وذلك فإن المنهج القرآني الرباني يواجه الواقع الفعلي بالأحكام المنظمة له . فهناك غنائم وهناك محاربون . وهؤلاء المحاربون يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم:هم يتطوعون للجهاد , وهم يجهزون أنفسهم على نفقتهم الخاصة ; وهم يجهزون غيرهم من المجاهدين الذين لا يجدون ما ينفقون . .
ثم هم يغنمون من المعركة غنائم . يغنمونها بصبرهم وثباتهم وبلائهم في الجهاد . . ولقد خلص الله نفوسهم وقلوبهم من أن يكون فيها شيء يحيك من شأن هذه الغنائم فرد ملكيتها ابتداء لله ورسوله .
وهكذا لم يعد من بأس في إعطائهم نصيبهم من هذه الغنائم - وهم يشعرون أنهم إنما يعطيهم الله ورسوله - فيلبي هذا الإعطاء حاجتهم الواقعية , ومشاعرهم البشرية , دون أن ينشأ عنه محظور من التكالب عليه , والتنازع فيه , بعد ذلك الحسم الذي جاء في أول السورة . .
إنه منهج الله الذي يعلم طبيعة البشر ; ويعاملهم بهذا المنهج المتوازن المتكامل , الذي يلبي حاجات الواقع كما يلبي مشاعر البشر ; وفي الوقت ذاته يتقي فساد الضمائر وفساد المجتمع , من أجل تلك المغانم ! (الظلال)
وفي الوسيط - (ج 1 / ص 1821)
قال الجمل : وقوله : ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ ﴾ معطوف على قوله ﴿ قُل لِلَّذِينَ كفروا ﴾ . ولكن لما كان الغرض من الأول التلطف بهم وهو وظيفة النبى وحده جاء بالإفراد . ولما كان الغرض من الثانى تحريض المؤمنين على القتال جاء بالجمع فخوطبوا جميعا .
وقوله ﴿ فَإِنِ انْتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ ﴾ أى : فإن انتهوا عن كفرهم وعن معاداتكم ، فكفوا أيديكم عنهم ، فإن الله - تعالى - لا يخفى عليه شئ من أعمالهم ، وسيجازيهم عليها بما يستحقون من ثواب أو عقاب .
وقوله ﴿ وَإِن تَوَلَّوْاْ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير ﴾ بشارة منه - سبحانه - للمؤمنين بالنصر والتأييد .
أى : وإن أعرضوا عن الإِيمان ولم ينتهوا عن الكفر والطغيان ﴿ فاعلموا أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ ﴾ أى : ناصركم ومعينكم عليهم ، فثقوا بولايته ونصرته ، فهو - سبحانه - ﴿ مَوْلاَكُمْ نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير ﴾ لأنه لا يضيع من تولاه ، ولا يهزم من نصره .
وبذلك نرى أن هذه الآيات الكريمة قد فتحت
الباب للكافرين حتى يفيئوا إلى رشدهم ، وينتهوا عن كفرهمن وبشرتهم بأنهم إذا فعلوا ذلك غفر الله لهم ما سلف من ذنوبهم . . أما إذا استمروا فى كفرهم ومعاداتهم للح ، فقد أمر الله عباده المؤمنين بقتالهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله . .
أى أن القتال فى الإِسلام شرعه الله - تعالى - من أجل إعلاء كلمته ومن أجل رفع الأذى والفتنة والعدوان عمن يعتنقون دينه وشريعته .
هذا ، وقد ساق ابن كثير عند تفسيره الآيات جملة من الأحاديث التى تشهد بأن القتال فى الإِسلام إنما شرعه الله - تعالى - لإعلاء كلمته ، وليس لأجل الغنيمة أو السيطرة على الغير . . وأنه لا يجوز لمسلم أن يقتل إنسانا بعد نطقه بالشهادتين . فقال - رحمه الله - : وقوله - تعالى - ﴿ وَقَاتِلُوهُمْ حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ ﴾ .
روى البخارى عن ابن عمر أن رجلا جاءه - فى فتنة ابن الزبير - فقال له يا أبا عبد الرحمن ، ألا تصنع ما ذكره الله فى كتابه ﴿ وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا ﴾ الآية . فما يمنعك من القتال؟ فقال يا ابن أخى لأن أعير بهذه الآية ولا أقاتل ، أحب إلى من أن أعير بالآية التى تقول : ﴿ وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا ﴾ الآية .