إن بين هذه الأديان اختلافات جذرية وبين أهلها بعضهم مع بعض كذلك، لكننا حين نتابع المنهج في سور القرآن وآياته التي اختصت بعلاج أي دين من هذه الأديان نجده واحداً رغم تلك الاختلافات بين الأديان وبين الأعيان. وإذن فحين نعرض للمنهج في تعامله مع اليهود والنصارى والمشركين وكذلك المنافقين كلاً على حدة من خلال السور الأربع (البقرة وآل عمران والأنعام والتوبة) التي تعتبر مختصة بالتعامل مع هذه الأديان على التوالي- فإنما نستخلص منهجاً عاماً للتعامل مع جميع الأديان والفرق التي جانبت الصواب وضلت الطريق، وليس منهجاً خاصاً مقتصراً على من سبق ذكرهم فإذا خرجنا مثلا إلى المجوسية أو الزندقة أو البوذية كان علينا أن نبحث لها عن منهج ملائم غير المنهج القرآني الذي نجده هو هو مع جميع الأديان التي واجهها الأنبياء على مر التاريخ.
إن هذا الثبات مع هذا التنوع والاختلاف دليل واضح على العمومية. كما أن القاعدة الفقهية الأصولية التي تقول: إن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب صالحة التطبيق هنا.
ولهذا نجد النبي - صلى الله عليه وسلم - تحرك بالمنهج نفسه في مكة المكرمة حيث المشركون، وفي المدينة المنورة حيث اليهود وكذلك المشركون ومعهم المنافقون، واستعمله مع النصارى كذلك. وأرى أن السبب في ذلك يعود إلى أمرين اثنين:
أولهما: أن الباطل مهما اختلف في ظاهره وفروعه وتفصيلاته وحتى أصوله المميزة من قوم إلى قوم ودين إلى دين فهو واحد في حقيقته وجذوره ومرتكزاته !
وثانيهما: أن البشر- مهما اختلفوا في أجناسهم وألوانهم وظروفهم ومواقعهم وأزمنتهم فهم- متشابهون في التركيبة الأساسية للنفوس والعقول ﴿ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ﴾ (الروم/30).
الفصل الأول
المنهج من خلال الخطاب القرآني
للأديان الباطلة الكبرى
1. المنهج من خلال سورة (البقرة) وخطابها لليهود :