بل إن هذا دليل الصدق في العاطفة والقوة في العلاقة الرابطة، بل هو غاية الرحمة كما عبر عنها تلميذ النبي - صلى الله عليه وسلم - سيدنا أبو هريرة الدوسي - رضي الله عنه - في تفسير قوله تعالى: ﴿ كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ﴾ آل عمران/110. فقال: خير الناس للناس تأتون بهم في السلاسل في أعناقهم حتى يدخلوا في الإسلام!.
ولم تفارق النبي المعلم - صلى الله عليه وسلم - رحمته بل كانت تلازم دعوته من أول يوم وهو يندد بآلهة المشركين ويعلن بأنها لا تنفع ولا تسمع ولا تضر ولا تدفع، ويضلل آباءهم ويسفه أحلامهم حين احتجوا لما يصنعون بما كان يصنع أولئك الآباء الذين لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون!.
ويشتد النبي - صلى الله عليه وسلم - أحيانا في دعوته، ويعلو في نبرته حتى يحمر وجهه وتنتفخ أوداجه، ويلين أحياناً حتى تتندى عيونه الكريمة بالدموع حسرة على قومه ولسان حاله يقول: ﴿ يا ليت قومي يعلمون ﴾ يس/26 فإن للشدة في ظل الرحمة موضعاً لو جعلنا اللين فيه بدلاً، لم يبق للرحمة معنى أو جدوى، كما أن للين موضعه في ذلك الظل الظليل. ألم يقل الشاعر الحكيم:
من الحلم أن تستعمل الجهل دونه
إذا اتسعت في الحلم طرق المظالم!
وقد تكون الشدة رداً بالمثل كما قال تعالى : ﴿ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ ﴾ (البقرة/194)، وقال : ﴿ وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلاّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ ﴾ (العنكبوت/46).