إن (قضيتنا) لا تنجح دون وعي بالسياسة والواقع وما يدور في العالم. وتحتاج إلى معرفة عميقة بالنفس البشرية وصيغ التعامل معها والسنن الكونية في التغيير، والى معرفة بالكتاب والسنة والسيرة والتاريخ والجغرافية كذلك واللغة والعقائد والفرق، والتعرف على الدسائس والمؤامرات وعلاقات الفرس باليهودية والصليبية. ولا يحملها إلا وطني صادق وعروبي غيور. وهكذا ما من مسألة ولا علم مهم أو ضروري إلا وتجد القضية في حاجة إليه، وتعطيه من الاهتمام ما يناسبه. فرق جوهري هو أن هذه المسائل والعلوم تكون حية متوهجة متحركة حين تكون في خدمة (القضية)، وميتة خامدة جامدة حين تنعزل منفردة على قارعة الطريق.
الدعوة إلى العبادة؟ أم إلى تبني (القضية) :
لقد جاء الإسلام ليصنع مجتمعاً يحمل (قضية) أي له رسالة، لا مجتمعاً عابداً مجرداً ليس له رسالة في الحياة.
لقد صنع الإسلام اتباعاً كل واحد منهم يشعر أنه صاحب (قضية). أما العبادة فهي وقود (القضية)، وزادها الذي لا بد منه لمواصلة المسير. وهي بمعناها الأشمل تتضمن (القضية) لأن العبادة التي أرادها الإسلام ذروة سنامها الجهاد، والجهاد لا يكون بلا قضية . والمجتمع الفاقد لـ (القضية) فاقد للجهاد مهما بدا مسلماً عابداً ملتزماً بشرع الله.وحين تتبنى الدعوات العبادة بمعناها الضيق وليس (القضية) تكون قد أخطأت خطأً فادحاً وأسلمت للغير زمام الأمور يقول تعالى : ﴿ أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ ءَامَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا يَسْتَوُونَ عِنْدَ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِين َ(19) ﴾ التوبة.