تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

وقد يفسر هذا لماذا ظل الخليفة عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - يخطب في الناس ثلاثة أيام يدعوهم للتوجه إلى القتال في جبهة العراق فلم يستجب منهم أحد فغضب غضباً شديداً وصار يعيرهم ويثير نخوتهم فكان أول مجيب أبا عبيد الثقفي فصرخ قائلاً: (أنا لها أنا لها) فقال عمر: قد وليتك. مع أنهم لم يكونوا يترددون في الذهاب إلى أي وجه آخر غير هذا الوجه. وهذا لا يتناقض مع شجاعة العربي وإقدامه، لأن العقدة مرض -وليس طبيعة متأصلة- محلها العقل الباطن أو اللاشعور فحين يستحضر المصاب بها في وعيه أو عقله الواعي قواه ويحفزها بالاتجاه المعين يقاتل بضراوة رغم ما يشعر به من معاناة وكراهة مترسبة في ذلك المحل. لذلك كان العرب يقاتلون الفرس ويأبون التذلل لهم وفي والوقت نفسه يجدون في أنفسهم كراهة شديدة وعزوفاً عن هذا القتال لا يجدونه حين يقاتلون غيرهم كالروم مثلاً. إن إباءهم ورفضهم المقام على الذل وقتالهم لهم تفرضه عليهم طبيعتهم الشجاعة عندما تطفو لوازمها إلى مستوى الوعي وإن كراهتهم لقتالهم تفرضه عليهم العقدة المستقرة في اللاوعي.

وظل العرب بعد الإسلام يعانون من عداوة الفرس وغدرهم وعنجهيتهم وانتقامهم وأساليبهم الملتوية في تصفية الخصوم والى اليوم مما رسخ عقدة المرض هذه في نفوسهم أكثر فأكثر.

وتستطيع اليوم أن تلمس هذه العقدة المرضية في نفوس الكثيرين. إن الواحد منهم يرتعب حين يطلب منه العمل في مناطق يعتقد أن للذيول الفارسية وجوداً فيها! بل إن هذه العقدة تلازمهم في عقر دارهم فلا تدعهم يشعرون بالأمان أو الاطمئنان ما لم يجاملوا ويداهنوا ويمزقوا ويرقعوا!!

الغزو الشرقي والغزو الغربي:

لابد من لعن الظلام · الصفحة ١٨٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

لابد من لعن الظلامص ١٨٥