لقد تمت المفاصلة بين المسلمين واليهود وأصبح للمسلمين قبلتهم الخاصة بهم نحو المسجد الحرام… ولم ينته الأمر في شعبان شهر التميز عند هذا الحد. فلقد جاء إضافة إلى التميز في قبلة الصلاة التميز في الصيام. لقد كان يوم عاشوراء هو يوم صوم المسلمين ولعلهم صاموه عاماً على الأقل وكان فريضة عليهم. وإذا بالآيات تترى لتؤكد تميز المسلمين في صومهم كذلك وإن كان الأصل في الصيام واحداً عند المؤمنين… فلقد أصبح رمضان منذ ذلك الوقت شهر الصيام الإسلامي وإن كان أصل الصيام قائماً بين المؤمنين. كما وإن أصل الصلاة قائم ومشترك بين المؤمنين لكن تميز القبلة يعني انفصالاً في الشعائر وتحديداً للهوية الإسلامية)(1)
وهذا يعني- والله أعلم- أنه لا بأس أن تبدأ الدعوة بالتماس الأمور المشتركة وإبرازها أملاً بتقريب الخصم- على أن هذا لا ينبغي أن يكون على طول الخط منهجاً ثابتاً وإنما إلى حين فإن آمنوا فبها وإلا تكون المقاطعة أو المفاصلة ولنا على هذا دليلان:
الأول: أن هذا السلوك كان من النبي - صلى الله عليه وسلم - مؤقتاً لم يدم أكثر من سنة وأربعة أشهر.
والثاني: أن هذا قد يكون اجتهادا من الرسول - صلى الله عليه وسلم - أقره الله تعالى عليه إلى حين من أجل أن يقطع أمله من إيمانهم وذلك بالتجربة العلمية، وهي أبلغ في النفس من المعلومة الجاهزة. ولذلك لم يأت في القرآن توجيه بالتقارب والمجاملة إنما ورد العكس. ولا بد أن يكون هذا بعد مرور التجربة والتأكد من قبل النبي - صلى الله عليه وسلم - من فشلها فنزل مثل قوله تعالى: ﴿ أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ(75) ﴾ البقرة.
(1) المنهج الحركي للسيرة النبوية ص230-233 محمد منير الغضبان.