إن التلازم بين إحقاق الحق وإبطال الباطل هو القاعدة العريضة التي استندت إليها دعوة الإسلام ورسختها آيات القرآن وانطلق منها الأنبياء والدعاة والمصلحون جميعاً.
لكن هذا لا يعني أن الداعي لا يمكن أن تضطره ظروف خاصة تقدر بقدرها إلى أن يناور فيأخذ بالرخصة ويؤخر أو يؤجل إنكار الباطل أو بعض منه. ويفعل مع الحق وجزئياته بياناً وكتماناً مثل ذلك.
إن هذا مشروع ومطلوب ولا إشكال فيه. إنما الإشكال- بل الخطر- حين يجعل منه قاعدة ثابتة وطريقة دائمة مع أنه (رخصة) واستثناء وهما كالملح للطعام إذا كثر أفسده. فكيف إذا صار الطعام لا يستساغ لكثرة الملح والبهارات التي أضيفت إليه و(المقبلات) التي وضعت بين يديه! فكيف إذا حذف الطعام ولم يعد على المائدة إلا (المقبلات) والمجاملات أو المداهنات، إلى درجة أمسى فيها الأصل والقاعدة والأساس أمراً مستنكراً مستغرباً مستهجنا يشار إلى أصحابه بالبنان! وليس لهم حق الادعاء ولو على سبيل الاستثناء!
إن الميتة لا تباح إلا عند الاضطرار فالتحريم هو القانون والقاعدة ، والرخصة في أكلها استثناء من هذا القانون. إن قلب المعادلة بحيث يكون هذا مكان هذا فساد واعتداء لا نقرّه وإن فسد المزاج وحصل الاعوجاج.
16. الدعوة أسلوب ومضمون:
المضمون هو مادة الدعوة المقدمة للمدعوين. والأسلوب هو الوسيلة التي تنقل بها المادة الدعوية وتبلغ إليهم. والعلاقة الدعوية بين الأسلوب والمضمون كعلاقة الطبق بالطعام . فالطبق هو الوسيلة والأسلوب الذي به تنقل المادة الغذائية أو الطعام.
نعم. لا بد أن يكون الطبق نظيفاً وملائماً ويفضل أن يراعى فيه الذوق والجمال. ولكن في النهاية لا بد أن يوضع فيه الطعام ليقدم للآكلين. أما إذا قدم فارغاً أو ليس فيه الطعام المطلوب فالطبق لا قيمة له مهما كان حائزاً على مواصفات الذوق والنظافة والجمال .