(1). ولم يسمِ الله -تعالى- في كتابه شيئًا بالميثاق الغليظ إلا في مقامين: مقام النبوة، والزواج، مما يدل على أهمية هذه الرابطة، وعلو شأنها، وعظم مقامها.
فبالزواج يحصل إعمار الأرض، ويبقى النسل، وتسكن النفس، ولذا عني الشارع الحكيم بهذا العقد أشد العناية، وأحكم النصوص فيه، وأجلى حقوقه وواجباته، وبين آثاره ومقتضياته، حتى تنشأ الأسرة مستقرة الحال؛ لأن استقرار الأسرة، إنما هو استقرار للمجتمع، واستقرار المجتمع، إنما هو استقرار للأمة، وإذا استقرت الأمة، فإنها ستحلق في سماء العزة والكرامة، وهذا ما يميز الشريعة الإسلامية: أنها قواعد وضعها الله على سبيل الدوام، لتنظيم شئون الأفراد، والجماعات، والدول (2).
وقد حث ورغب ديننا الحنيف في الزواج، ففي الحديث: أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: ((تزوجوا الودود الولود فإني مكاثر بكم الأمم)) (3)، وقد بيَّن عليه الصلاة والسلام، أن من الثلاثة الذين حق على الله عونهم، من تزوج يريد العفاف، ففي الحديث، قال عليه الصلاة والسلام: ((ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف)) (4).
وبعد هذا الإيضاح لأهمية الزواج، وعناية الشارع به، يمكن بيان حكم الزواج في الشريعة الإسلامية.
(1) سورة النساء، آية: 21.
(2) انظر: التشريع الجنائي مقارنًا بالقانون الوضعي، عبد القادر عوده، دار الكتاب العربي، بيروت، بدون 1/ 19.
(3) سنن أبي دواد: كتاب النكاح، باب النهي عن تزويج من لم يلد من النساء، رقم الحديث (2050)، وسنن النسائي: كتاب النكاح، باب كراهية تزويج العقيم، رقم الحديث (3227)، قال عنه الهيثمي: صحيح. انظر: مجمع الزوائد 4/ 252.
(4) سنن النسائي: كتاب النكاح، باب معونة الله الناكح الذي يريد العفاف، رقم الحديث (3220)، وسنن الترمذي: باب ما جاء في المجاهد والناكح وعون الله إياهم، رقم الحديث (1655)، حسنه الترمذي، وقال عنه الألباني: حسن. انظر: صحيح الترغيب والترهيب 2/ 51.