تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

معايشهم، حتى إذا ما خف الوازع الديني عند البعض، كان هناك سلطات مخولة برد الحقوق، ورفع المظالم، لئلا يبغي أحد على أحد.

ومن الجهات المناط بها الفصل بين الناس، ورفع المظالم، والقضاء بالحق، المحاكم الشرعية، القائمة على تحكيم شرع الله؛ لأن في القضاء بالحق إظهارا للعدل، وإيصالا للحق إلى المستحق، فالقضاء أمر أساسي في الحياة الاجتماعية، ومن خلال حكم نافذ، وقضاء عادل، يمكن تنظيم شئون الحياة، فلولا القضاء العادل لعم التهارج، واختلط الحابل بالنابل، وازدادت الخصومات.

ومن المعلوم أن تعيين القضاة، إنما يكون عن طريق ولي الأمر، وحيث إنه لا وجود لولي أمر للمسلمين في الأقليات الإسلامية، وإنما وجدت مراكز إسلامية، يتولى القيام عليها نخبة من الأخيار الفضلاء، فهل يجوز لتلك المراكز أن تتولى الفصل في قضايا الأحوال الشخصية للمسلمين؟

الحق بأن أحكام الأقليات الإسلامية تعد من الضروريات، وهي من القضايا المعاصرة؛ لأنها قد تخالف الأحكام العامة، وكذلك القواعد الثابتة، ومن أجل ذلك، فقد قال غير واحد من أهل العلم، بجواز أن يقوم جماعة المسلمين مقام القاضي؛ لأن من القواعد المقررة أن الضرر يزال، والضرر الأشد يزال بالضرر الأخف (1)، وفي المذاهب الفقهية الأربعة، أقوال تنحى إلى هذا الرأي وتؤيده، أذكر بعضا منها فمن ذلك:

قال ابن عابدين (2) من الحنفية: "وأما بلاد عليها ولاة كفار، فيجوز للمسلمين إقامة الجمع والأعياد، ويصير القاضي قاضيا بتراضي المسلمين" (3).

(1) انظر: الأشباه والنظائر، ابن نجيم، دار الكتب العلمية، ط 1، ص 72، 75.

(2) ابن عابدين هو: محمد أمين بن عمر بن عبد العزيز عابدين، مولده ووفاته في دمشق، فقيه الديار الشامية، إمام الحنفية في عصره، له مصنفات منها: رد المحتار على الدر المختار، مشهور بحاشية ابن عابدين، حواشي على تفسير البيضاوي، توفي سنة 1252 هـ. انظر: الأعلام، الزركلي، 6/ 42.

(3) رد المحتار على الدر المختار، ابن عابدين، 5/ 369.

احتكام المسلمين لغير شريعتهم · الصفحة ١٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

احتكام المسلمين لغير شريعتهمص ١٧٨