تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

قال تعالى: ﴿مَنْ كَفَرَ بِاللَّهِ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِهِ إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ وَلَكِنْ مَنْ شَرَحَ بِالْكُفْرِ صَدْرًا فَعَلَيْهِمْ غَضَبٌ مِنَ اللَّهِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾ (1)، وإنما يبوء بالإثم من ألجأهم إلى تلك المحاكم.

والترافع إلى تلك المحاكم إنما كان من أجل رفع الظلم، ورفع الظلم مطلب شرعي، وهو من قبيل رد الحقوق لأهلها؛ لأن الخصومة فصلها ومرجعها إلى القضاء، حتى لا تضيع الحقوق، ولا قضاء ملزم في الأقليات نافذة أحكامه، إلا المحاكم غير الإسلامية.

ومعلوم أيضًا أن المنع من التحاكم إلى المحاكم الوضعية مطلقا، يجعل أموال المسلمين مستباحة، وأعراضهم منتهكة، وهذا مما لا تأتي به الشريعة.

فقد أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - الصحابة -رضوان الله عليهم- بالهجرة إلى الحبشة، وقال لهم: ((إن بأرض الحبشة ملكا لا يظلم أحد عنده، فالحقوا ببلاده، حتى يجعل الله لكم فرجا، ومخرجا مما أنتم فيه)) (2).

ومن المعلوم أن النجاشي -آنذاك- لم يكن مسلما، وإنما ورد التعليل بأنه ملك عادل، يعدل بين الناس، مما يدل على جواز التحاكم إلى غير المسلم عند الضرورة، لرفع الضرر وإزالته، أو تخفيفه.

ثم إن من القوانين الوضعية ما لا يخالف قانون العدل الإسلامي، المتمثل في الشريعة الإسلامية، وما كان كذلك، فإنه مندرج في الشريعة، وإن حرره، أو تفوَّه به من ليس من أهلها، فالسياسة العادلة من الشريعة، وإن صدرت من غير المسلمين،

(1) سورة النحل، آية: 106.

(2) السنن الكبرى البيهقي، كتاب السير، باب الإذن بالهجرة، رقم الحديث (17734)، قال عنه الهيثمي: صحيح. انظر: مجمع الزوائد، 6/ 27.

احتكام المسلمين لغير شريعتهم · الصفحة ١٧٤

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

احتكام المسلمين لغير شريعتهمص ١٧٤