تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ويشرح أبياتها تشريحا، مبينا ما يجري فيها من ثقل وتطويل وحشو وتكلف وألفاظ وحشية جافية، ومن تناقض وكزازة وتعسف ورداءة صوغ وسبك. ويهاجم الباقلاني كذلك ما يقال من بلاغة الجاحظ مبينا أنه دائما يستعين بغيره، ويفزع إلى ما يوشح به كلامه من مثل نادر، وبيت سائر، وحكمة منقولة، وقصة مأثورة.. كل ذلك ليدل الباقلاني على أن بلاغة القرآن لا تسمو إليها أي بلاغة لشاعر أو كاتب وكأنه في كل ذلك يشرح ما ذكره الرماني في رسالته - التي تحدثنا عنها في المقال السابق - من أن للكلام ثلاث طبقات: عليا وهي طبقة القرآن، ووسطى ودنيا، وهما طبقتا البلغاء على اختلاف بلاغتهم، وما ينظمونه أو يخطبون به أو يكتبونه. ونسمعه دائما يردد أن كلام البلغاء يتفاوت، بينما القرآن لا تتفاوت آياته، وإن العبارة لتجلب منه إلى كلام البليغ.. فإذا هي تتلألأ كأنها الدرة الواسطة في العقد.. ويمضي الباقلاني قائلا: ".. إن القرآن ليس معجزا لأهل العصر الأول الذي نزل فيهم فحسب، بل هو أيضا معجز لأهل كل العصور.."هذا هو مفهوم الباقلاني للإعجاز القرآني.. وواضح أنه لم يزد في كتابه عن شرحه - أو قل بعبارة أدق - عن محاولة شرحه لما قاله الجاحظ من جمال النظم القرآني، وما قاله الرماني من أنه في المرتبة الرفيعة من البلاغة والبيان، ومضى يرد تفسير هذه المرتبة بوجوه البديع التي عدها ابن المعتز وقدامة وأبو أحمد العسكري وغيرهم، كما رد تفسيرها بوجوه البلاغة التي ذكرها الرماني..

وبالطبع, فهذا لا يقلل من شأن الباقلاني.. أو يبهرج علمه.. فيكفي أن نعلم أن الرجل أول من هاجم في قوة نظرية إعجاز القرآن عن طريق تصوير ما فيه من وجوه البديع، وأيضا وجوه البلاغة التي أحصاها الرماني.

ومن هنا تأتي أهمية الباقلاني، إذ أعد للبحث عن أسرار في نظم القرآن من شأنها حين توضح توضيحا دقيقا أن تقف الناس على إعجازه.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية · الجزء ١٣ · الصفحة ٣١

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبويةج ١٣ · ص ٣١