تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

إن القرآن الكريم - مع بالغ عنايته، وعظيم اهتمامه بالمعنى الدقيق، والهدف النبيل، والفكرة العميقة، والأسلوب الفذ والتركيب الرصين- لم يغفل أمر الفواصل, بل عني بها أيما عناية، فجعلها متناسبة متكافلة، متناسقة متآخية، لا متنافرة ولا متعادية، ومن أجل ذلك خرج عن مقتضى ظاهر الأسلوب في بعض المواطن.

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في ختام آية 87 من سورة البقرة ﴿ففريقا كذبتم وفريقا تقتلون﴾ فكان مقتضى ظاهر الأسلوب أن يقال: "وفريقا قتلتم"، ولكن لما كانت فواصل السورة مبنية على وجود حرف المد قبل الحرف الأخير في الكلمة قيل ﴿وفريقا تقتلون﴾ حتى تتناسب مع بقية فواصل السورة.

ومن أمثلة ذلك قوله تعالى في ختام آية 46 من سورة يوسف ﴿لعلي أرجع إلى الناس لعلهم يعلمون﴾ كرر كلمة (لعل) مراعاة لفواصل الآي السابقة واللاحقة، ولولا هذه المراعاة لقال: (ليعلموا) أو (فيعلموا) وحينئذ لا يكون ثم تناسب بين هذه الفاصلة وبين ما قبلها وما بعدها من الفواصل.

ومنها قوله تعالى في سورة طه ﴿فأوجس في نفسه خيفة موسى﴾ آية 67 قدم في الآية المفعول - وهو (خيفة) , وأخر الفاعل وهو (موسى) على خلاف الأصل الذي يقتضي تقديم الفاعل على المفعول- رعاية لفواصل السورة المختومة كلها بالألف.

ومثل هذه الآية قوله تعالى: ﴿ولقد جاء آل فرعون النذر﴾ 41 من سورة القمر، أخر فيها الفاعل وهو (النذر) على المفعول وهو (آل) رعاية لفواصل السورة التي بنيت كلها على الراء الساكنة.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبوية · الجزء ١٢ · الصفحة ٤٤٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

مجلة الجامعة الإسلامية بالمدينة النبويةج ١٢ · ص ٤٤٣