يعبد أحداً فهؤلاء لم يشركوا لأنهم لم يعبدوا إلا واحداً وهو معبودهم الباطل ولم يتحقق فيهم الشرك لأنهم لم يعبدوا الله حتى يكون هناك تسوية، فهنا حصل الكفر دون الشرك.
ويوضح ذلك ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في التدمرية ص 169: " فالإسلام يتضمن الاستسلام لله وحده فمن استسلم له ولغيره كان مشركاً ومن لم يستسلم له كان مستكبراً عن عبادته، والمشرك والمستكبر عن عبادته كافر، والاستسلام له وحده يتضمن عبادته وحده وطاعته وحده ".
والقول الثاني: أن الكفر والشرك اسمان لمسمى واحد فهما سواء.
واستدلوا: 1 - بقوله تعالى: " قَالَ مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً * وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنقَلَباً " ثم قال: " وَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً " وقالوا: أن وجه الدلالة أن هذه الأشياء المذكورة على قول المفرقين كلها كفر ومع ذلك أطلق عليها شركاً.
ونوقش هذا الاستدلال: بأن وصفه للجنة بقوله: " مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَداً " حيث وصفها بالدوام وهذا شرك أكبر إذ أنه لا يوصف بالدوام إلا الله سبحانه " كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ * وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ " [الرحمن: 26 - 27] وبهذا يسقط الاستدلال.
2 - قوله تعالى: " إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاءُ " [النساء: 48].
وقالوا: أن وجه الدلالة أن القول بالفرق بينهما يلزم منه أن الكفر يُغفر.
ونوقش هذا الاستدلال: بأننا لا نسلم أن الكفر دون الشرك فإن الكفر إن لم يكن مساوياً للشرك فهو أعظم منه، فمن جحد وجود الرب سبحانه فقد كفر ولا شك أن هذا أعظم من الشرك. فأدلت عدم غفران الشرك تستلزم عدم غفران الكفر من باب أولى.
3 - قوله تعالى:" أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ " [الجاثية: 23].
ووجه الدلالة: أنه كفره لما اتخذ إلهه هواه وهذا شرك.
ونوقش هذا الاستدلال: أن هذه الآية لا دلالة فيها إذ أن من اتخذ إلهه هواه لا يخلو من حالتين: ـ
إما أنه ينكر الرب سبحانه ويعبد هواه وحده فهذا لا يكون إلا كافراً وإما أنه يعبد الله وهواه وهذا يكون مشركاً، والآية على كلا الحالتين لم تحكِ لنا حاله هل هو مشرك أو كافر.
والقول الأول: هو قول أبي حنيفة، والثاني: هو قول الشافعي كما حكى ذلك ابن حزم، ومال شيخ الإسلام ابن تيمية إلى القول الأول كما هو ظاهر كلامه السابق والله أعلم