الحجاز، فلما دخل عليه المغيرة قال له رستم: إنكم معشر العرب كنتم أهل شقاء وجهد وكنتم تأتوننا من بين تاجر وأجير ووافد، فأكلتم طعامنا وشربتم من شرابنا واستظللتم بظلالنا، فذهبتم فدعوتم أصحابكم وجئتم تؤذوننا، وإنما مثلكم ومثل رجل له حائط مر فيه فرأى فيه أثر ثعلب واحد فقال: وما ثعلب واحد، فانطلق ذلك الثعلب حتى دعا الثعالب كلها إلى ذلك الحائط، فلما اجتمعن فيه جاء صاحب الحائط فرآهن فسد الجحر الذي دخلن منه ثم قتلهن جميعا، وأنا أعلم أنه إنما حملكم على هذا معشر العرب الجهد الذي أصابكم فارجعوا عنا عامكم هذا فإنكم قد شغلتمونا عن عمارة بلادنا، ونحن نوقر لكم ركائبكم قمحا وتمرا ونأمر لكم بكسوة، فارجعوا عنا.
فقال المغيرة بن شعبة رضي الله عنه: لا تذكر منا جهدا إلا وقد كنا في مثله أو أشد، أفضلنا في أنفسنا عيشا الذي يقتل ابن عمه ويأخذ ماله فيأكله، نأكل الميتة والدم والعظام، فلم نزل على ذلك حتى بعث الله فينا نبيا، وأنزل عليه الكتاب فدعانا إلى الله وإلى ما بعثه به، فصدقه منا مصدق وكذبه منا مكذب، فقاتل بمن صدقه من كذبه، حتى دخلنا في دينه من بين موقن ومقهور حتى استبان لنا أنه صادق وإنه لرسول الله، فأمرنا أن نقاتل من خالفنا، وأخبرنا أنه من قتل منا على ذلك فله الجنة، ومن عاش ملك وظهر على من خالفه، ونحن ندعوك إلى أن تؤمن بالله ورسوله وتدخل في ديننا، فإن فعلت كانت لك بلادك لا يدخل عليك فيها إلا من أحببت منا، وعليك الزكاة والخمس، وإن أبيت ذلك فالجزية، وإن أبيت ذلك قاتلناك حتى يحكم الله بيننا وبينك.
قال رستم: ما كنت أظن أني أعيش حتى أسمع هذا منكم معشر العرب، لا أمسي غدا حتى أفرغ منكم وأقتلكم كلكم.
ثم أمر بالعبور أن تسكر، فبات ليلته يسكره بالزرع والقصب والتراب حتى أصبح وقد تركه جسرا، وعبأ سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه الجيش فجعل خالد بن عرفطة على جماعة الناس وجعل على الميمنة جرير بن عبد الله