مسألة الحرف والصوت
ثم من هؤلاء من عرف أن الحروف والأصوات لا تكون إلا متعاقبة، والصوت لا يبقي زمانين، فضلًا عن أن يكون قديمًا، فقال: القديم معنى واحد لامتناع معانٍ لا نهاية لها، وامتناع التخصيص بعدد دون عدد، فقالوا: هو معنى واحد، وقالوا: معنى التوراة والإنجيل والقرآن معنى١ واحد، ومعنى آية الكرسي، والدَّين واحد٢، ومنهم من قال: إنه حروف وأصوات قديمة الأعيان، لم تزل ولا تزال، وأن الباء لم تسبق السين، والسين لم تسبق الميم، وأن الحروف مقرونة ببعضها اقترانًا قديمًا أزليًا، لم يزل ولا يزال، وهي متراتبة في حقيقتها وماهيتها، غير متراتبة في وجودها٣.
وقال كثير منهم: إنها مع ذلك شيء واحد، إلى غير ذلك من اللوزام التي يقول جمهور العقلاء٥: إنها معلومة الفساد بضرورة العقل.
كلام الطوفي في الحقيقة والمجاز في كلام الله عز وجل
قال الإمام الطوفي٥ من الحنابلة: إنما كان حقيقة في العبارة، مجازًا في مدلولها، لوجهين:
أحدهما: أن المتبادر إلى فهم أهل اللغة من إطلاق الكلام، إنما هو العبارة، والمتبادر دليل الحقيقة.
الثاني: أن الكلام مشتق من الكلم، لتأثيره في نفس السامع، والمؤثر في نفس السامع إنما هو العبارة لا المعاني النفسية بالفعل."٦/ب"
١ في الأصل: "معنى والقرآن"، ومع الإشارة للتقديم والتأخير.
٢ شرح الكوكب المنير: "٢٢/٢-٢٣"، مجموعة الرسائل والمسائل: "٢٠/٣، ١٤٨"، فتاوى شيخ الإسلام: "٤٩/١٢"، شرح الفقه الأكبر: "صـ ٢٨"، أصول الدين: "صـ ١٠٨"، الغنية: "٨٣/١"، شرح الطحاوية: "صـ ١٨٠".
٣شرح الكوكب المنير: "٢٣/٢"، مجموعة الرسائل المنيرية: "٢٠/٣، ٢٠، ٢١، ٢٨، ٤٤، ١٤٨، ١٥٦"، الإنصاف: "صـ ١١١"، شرح الطحاوية: "صـ ١٨٠".
٤شرح الكوكب المنير: "٢٣/٢": وزاد: "ومن هؤلاء من يقول: هو قديم، ولا يفهم معنى القديم"، شرح الكوكب المنير: "٢٤/٢".
٥ هو سليمان بن عبد القوي بن عبد الكريم، نجم الدين الطوفي الحنبلي البغدادي، الفقيه الأصولي المتفنن، صاحب مختصر الروضة الأصولية، وشرحها، وشرح الخرقي، توفي سنة ٧١٠ هـ، المدخل لابن بدران: "صـ٢٠٧".