تخطَّ إلى المحتوى

39- أحمد بن علي بن محمد بن برهان الوكيل، أبو الفتح الفقيه الشافعي [1] :

تفقه في صباه على مذهب أحمد بن حنبل على أبي الوفاء بن عقيل، ثم انتقل إلى مذهب الشافعي، وقرأ على أبي بكر الشاشي وأبي حامد الغزالي، وكان ذكيا، خارق الذهن، ولم يزل يبالغ في الطلب والاشتغال والحفظ والتحقيق وحل المشكلات واستخراج المعاني حتى صار يضرب به المثل. ولى التدريس بالنظامية، ثم عزل عنها.

سمع الحديث بنفسه من أبي طاهر أحمد بن الحسن الكرخي وأبي الخطاب نصر بن أحمد بن البطر وأبي عبد الله الحسين بن أحمد بن محمد بن طلحة النعال.

توفي يوم الأربعاء ثامن عشر جمادى [الأولى] [2] من سنة ثمان عشرة وخمسمائة، وصلى عليه بجامع القصر ودفن بباب أبرز.

40- أحمد بن علي بن المعمر بن محمد بن المعمر بن أحمد بن محمد بن محمد بن عبيد الله العلوي الحسيني [3] :

نقيب الطالبيين ببغداد. ولى النقابة على الطالبيين بعد أبيه في سنة ثلاثين وخمسمائة، ولم يزل على ولايته إلى حين وفاته، وكان يسكن بالحريم الظاهري في دار له مشرفة على دجلة.

سمع أبا الحسن علي بن محمد بن علي بن العلاف وأبا الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي، وكان مجدا في الرواية، وكان يشعر شعرا حسنا، وينثر نثرا فائقا، فمن شعره:

دمع يخد وجنة تتخدد    وجوى يزيد وزفرة تتجدد

وصبابة ترمي وصبر نافر    وضنى يجول وجور وجد يلبد

وهوى يشعب فكرتي ويذيبني    شوقا يقسمه كواعب خرد

وحنين قلب واشتجار وساوس    ودوام تهيام وجفني يسهد

وأنين خلب محدق وغرام ووج    د معلق وجوارح تتلبد

ونحول جسم واضح وسقام ح    ب فاضح وحياد عقل يشرد

وغريم تذكار مقيم ساخط    أبدا على رسوله يتمرد

وتلفت نحو الديار وإنه    يحيى بها دمعي الذي لا يجمد

وتطلع نحو الغوير ولوعة    لسيارها شغفا يخب ويزيد

وتنسم الأنباء في رأد الضحى    وتنفس الصعداء إذ لا موعد

قرأت بخط النقيب أبي عبد الله: المولد في شوال سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة.

وتوفي يوم الأربعاء ثامن عشر جمادى الأولى سنة تسع وستين وخمسمائة، ودفن من الغد.

41- أحمد بن عمر بن الأشعث- ويقال ابن أبي الأشعث، أبو بكر المقرئ [1] :

من أهل سمرقند. سافر إلى الشام وسكن دمشق مدة، وقرأ بها القرآن على أبي علي الحسن بن علي الأهوازي، وسمع منه الحديث ومن أبي عبد الله الحسين بن محمد الحلبي، وأبي عمر إسماعيل الصابوني، ثم إنه قدم بغداد واستوطنها إلى حين وفاته، وأقرأ بها القرآن، وحدث، وكان مجودا متقنا عارفا بالروايات واختلافها متحريا.

ويحكى أن أبا بكر السمرقندي خرج [2] مع جماعة إلى ظاهر البلد في فرجة، فقدموه [3] يصلي بهم، وكان مزاحا، فلما سجد بهم تركهم في الصلاة وصعد في شجرة، فلما طال عليهم انتظاره رفعوا رءوسهم فلم يجدوه في مصلاه، وإذا به في الشجرة يصيح صياح السنانير، فسقط من أعينهم، فخرج إلى بغداد وترك أولاده بدمشق.

مولده سنة ثمان وأربعمائة، وتوفي في سادس عشر رمضان سنة تسع وثمانين وأربعمائة، وقيل مولده سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة، ودفن بمقابر الشهداء.

42- أحمد بن أبي غالب بن أحمد بن عبد الله بن محمد الوراق، أبو العباس الزاهد المعروف بابن الطلاية [4] :

يقال إن والدته كانت تطلي الكاغذ عند عمله بالدقيق المعجون بالماء رقيقا قبل

صقله، فاشتهرت بذلك. كان أحمد هذا من عباد الله الصالحين، كثير العبادة مشهورا بالزهد.

كان يذكر أنه سمع في صباه من أبي القاسم عبد العزيز بن علي الأنماطي بن بنت السكري شيئا من الحديث، ولم يظهر له عنه شيء.

توفي يوم الأحد ثاني عشر رمضان سنة ثمان وأربعين وخمسمائة، ودفن بمقبرة باب حرب، وكان من عباد الله الصالحين.

43- أحمد بن فارس بن زكريا بن محمد بن حبيب، أبو الحسين اللغوي [1] :

من أهل قزوين، سكن الري، فنسب إليها. سمع بقزوين أباه- وكان شافعيا لغويا، وأبا الحسن علي بن محمد بن مهرويه وأبا الحسين أحمد بن علان، وبأصبهان أبا القاسم سليمان الطبراني؛ وببغداد محمد بن عبد الله الدوري. وقرأ عليه البديع أحمد ابن الحسين الهمذاني صاحب المقامات.

وكان مقيما بهمذان إلى أن حمل إلى الري ليقرأ عليه أبو طالب بن فخر الدولة علي بن ركن الدولة حسن بن بويه الديلمي، فسكنها. وكان فقيها شافعيا حاذقا، فانتقل إلى مذهب مالك في آخر عمره، وسئل عن ذلك فقال: داخلتني الحمية [2] لهذا الإمام المقبول [3] على جميع الألسنة أن يخلو مثل هذا البلد عن مذهبه. فإن الري أجمع البلاد للمقالات والاختلاف. وقد حدث أبو الحسين ببغداد.

قال أبو الحسين بن فارس: دخلت بغداد طالبا للحديث، فحضرت مجلس بعض أصحاب الحديث، فرأيت شابا وعليه سمة جمال وليست معي قارورة، فاستأذنته في كتب الحديث من قارورته، فقال: من انبسط إلى الإخوان بالاستئذان فقد استحق الحرمان.

ومن شعره:

وقالوا كيف حالك قلت خير    تقضي حاجة وتفوت حاج

إذا ازدحمت هموم الصدر قلنا    عسى يوما يكون لها انفراج

نديمي هرتي وشفاء قلبي    دفاتر لي ومعشوقي السراج

قال: كان الصاحب بن عباد يقول: شيخنا أبو الحسين بن فارس رزق التصنيف وأمن من التصحيف.

وله من التصانيف: المجمل في اللغة- وكتاب متخير الألفاظ- وكتاب فقه اللغة- وكتاب غريب إعراب القرآن. يقال إن أبا الحسين بن فارس كان بقزوين يصنف في كل ليلة جمعة كتابا ويبيعه يوم الجمعة قبل الصلاة ويتصدق بثمنه! فكان هذا دأبه.

توفي بالري في صفر سنة خمس وتسعين وثلاثمائة، رحمه الله تعالى.

44- أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن الحسن بن الحسين بن علي بن هارون البرداني، أبو علي بن أبي الحسن الحافظ [1] :

من ساكني الشذا من شارع دار الرقيق، سمع أباه وأبا طالب محمد بن محمد بن غيلان وإبراهيم وعلي ابني عمر البرمكي وأبا محمد الجوهري وأبا القاسم عبد العزيز ابن علي الأزجي وأبا الحسن علي بن إبراهيم بن عيسى الباقلاني وأبا بكر محمد بن عبد الملك بن بشران وأبا طالب محمد بن علي العشاري وأبا القاسم منصور بن عمر ابن علي الكرخي.

ولم يزل يسمع ويكتب إلى حين وفاته. وكتب بخطه كثيرا، وجمع وخرج وصنف في عدة فنون، وحدث بأكثرها، وكان موصوفا بالحفظ والمعرفة والصدق والثقة والديانة.

مولده سنة ست وعشرين وأربعمائة في النصف من جمادى الأولى، وتوفي في الليلة التي صبيحتها يوم الخميس الحادي والعشرين من شوال سنة ثمان وتسعين وأربعمائة، ودفن في هذا اليوم في مقبرة باب حرب. وكان عارفا بعلم الحديث.

45- أحمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن إبراهيم بن سلفة، أبو طاهر السلفي [2] :

من أهل أصبهان، محدث وقته وشيخ زمانه. سمع بأصبهان الرئيس أبا عبد الله القاسم بن الفضل الثقفي وأبا الحسن مكي بن منصور الكرجي وأبا نصر عبد الرحمن

ابن محمد بن يوسف النضري وأبا العباس أحمد بن أشتة. وسافر إلى بغداد في شبابه وسمع بها أبا الخطاب نصر بن البطر القاري وأبا عبد الله الحسين بن علي بن البسري وأبا المعالي ثابت بن بندار، سافر إلى الحجاز [1] ، وسمع بمكة والمدينة والكوفة وواسط والبصرة وهمذان وزنجان، ومضى إلى الشام، ودخل دمشق وسمع بها كثيرا، ثم إنه دخل ديار مصر وأحيا بها الحديث، وكان حافظا ثقة حجة نبيلا، ختم هذا العلم، وكانت الرحلة إليه من الأقطار، وعمر حتى ألحق الصغار بالكبار.

وحدث ببغداد وهو شاب، وسمع منه الحفاظ والأكابر.

أنشدني عبد الرحيم بن يوسف الدمشقي بالقاهرة من ديار مصر، قال: أنشدنا أبو طاهر أحمد بن محمد السلفي لنفسه:

إذا بنى فرط تجافيه    وعذل عذالي معا فيه

دعوا ملامي وانظروا ظرفه    في طرفه والدر في فيه

ولاحظوا الحسن بألبابكم    كي تعذروا قلب مصافيه

ثم اعذلوني بعد أن كان    ما أصابني العقل ينافيه

أنشدني أبو القاسم الصوفي بديار مصر، قال: أنشدنا السلفي لنفسه:

لم تذق عيني مذ أبصرته    من شقائي طول ليل وسنا

ولها في ذاك عذر واضح    فهو كالبدر سناء وسنا

أخبرني عبد القادر بن عبد الله الرهاوي الحافظ، فيما سألني به وأذن لي في روايته عنه بحران قال: شيخنا الحافظ الإمام أبو طاهر السلفي الأصبهاني سمع الحديث بأصبهان من سنة ثمان وثمانين وأربعمائة إلى سنة ثلاث وتسعين، وحج ورجع إلى بغداد فأقام بها إلى سنة خمسمائة، فقرأ الحديث والفقه والنحو واللغة، سمع بقراءته الأئمة كالحافظ يحيى بن مندة والمؤتمن الساجي ومحمد بن منصور السمعاني وأبي نصر الأصبهاني وغيرهم.

سمعته يقول: كنت بالكوفة مريضا، فكان يجعل لي مخادا أستند إليها وأكتب الحديث؛ ثم خرج من بغداد سنة خمسمائة إلى واسط والبصرة ودخل نهاوند ومضى إلى همذان وقزوين وزنجان وساوة، ومضى إلى الري، ثم مضى إلى الدربند، وهو آخر

تاريخ بغداد وذيوله · الصفحة ٤٧

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.