تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

2]، وتتحول حياة الإنسان إلى نوع من الهروب عن الإحساس بالقيمة حتى لا يستمع للداعي، فيتلهى بالدنيا وينشغل تفكيره بها حتى يموت، فيكون كما تعيش البهيمة تأكل وتشرب وتنام وتتزوج وتنجب وتذهب وتعود ثم تموت!.

ـ فالإنسان إما أن يعيش حياة الهارب من الله المتغافل عنه كأنه لم يسمع عنه، وذلك بأن يتلهى عن الله بالدنيا، فهو يتلهى ويتشاغل: ((مَا يَاتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ إِلَّا اسْتَمَعُوهُ وَهُمْ يَلْعَبُونَ، لاهِيَةً قُلُوبُهُمْ)) (1)، وإما أن يعيش حياة السير إلى الله.

ـ والعجيب أن الشيطان عندما يجد الإنسان يسير في اتجاه الدين ولا يستطيع صرفه عنه، فيلجأ بشغله بالأعمال الدينية عن معرفة الله حتى ينسى الله وتبقى الأعمال الدينية معزولة عن معرفة الله فيكون من الأخسرين أعمالا: ((قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً، الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً)) (2).

ـ الأعمال الدنيوية هي في حقيقتها لعب ولهو ولا ينبغي أن تلهي عن ذكر الله، فالشيطان قد يضخم للإنسان قيمة هذه الأعمال فيزينها له، وقد يعمل الإنسان أعمالا من أعمال الدنيا أو من أعمال الإسلام أو أعمال من إختراع الإنسان فيزينها له الشيطان لدرجة أنه يعيش لها فتلهيه عن تحقيق روح الدين (تحقيق اليقين ومشاعر الإيمان): ((تَاللَّهِ لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ)) (3)، ((قَالَ رَبِّ بِمَآ أَغْوَيْتَنِي لأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ)) (4)، ((كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ)) (5)، ويظل الإنسان مطمئنا إلى أنه بخير طالما عنده اليقين ولا يدري أنه يقين نظري فقط وليس بيقين حقيقي.

ـ من شغل همه بالآخرة فقد شغل همه بشيء واحد فقط، ولكن من شغل همه بالدنيا فقد فتح على نفسه آلاف الهموم فهذه هي طبيعة الدنيا، فكلما دخل من باب وجد أبواب أخرى كثيرة، ويظل تتشعب به الهموم حتى يهلك، ففي الحديث: ((من جعل الهم هما واحدا كفاه الله هم دنياه ومن تشعبته الهموم لم يبال الله في أي أودية الدنيا هلك)) (6)، فطبيعة الدنيا عبارة عن متاهة كلما سرت في طريق وجدت طرقا أخرى فدائما يستجد لك فيها هموم أخرى وآمال أخرى ومتاعب أخرى، ففي الحديث: ((خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم خطا مربعا وخط في وسط الخط خطا وخط خارجا من الخط خطا وحول الذي في الوسط خطوطا فقال هذا بن آدم وهذا أجله محيط به وهذا الذي في الوسط الإنسان وهذه الخطوط عروضه إن نجا من هذا ينهشه هذا والخط الخارج الأمل)) (7) أي يموت ولا يزال عنده تمني وآمال لم تتحقق، فيظل الشيطان يلهيه حتى يموت.

ـ فالتلهي بالدنيا يؤدي إلى الانشغال عن الآخرة كأنها ليست مهمة، فتكون نظرة الإنسان للآخرة مثل نظرته لأي شيء غير مهم أو أي شيء لا ينفع ولا يضر، فيفقد اليقين الحقيقي بالآخرة.

ـ جاء في تفسير ابن كثير: (((يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) .... يقول تعالى آمرًا لعباده المؤمنين بكثرة ذكره وناهيا لهم عن أن تشغلهم الأموال والأولاد عن ذلك ومخبرًا لهم بأنه مَن إلتَهَى بمتاع الحياة الدنيا وزينتها عما خُلِقَ له من طاعة ربه وذكره، فإنه من الخاسرين الذين يخسرون أنفسهم وأهليهم يوم القيامة)) (8)، وذكر الله هو عكس نسيان الله، أي لا يجب أن تكون الأموال والأولاد سببا لنسيان الله وغياب الإحساس بالله والآخرة.

ـ فالدنيا عبارة عن حياة كاذبة وليست حياة حقيقية، لأن الحياة الحقيقية هي في الآخرة، فالدنيا ليست إلا لعب ولهو، فالكرة الأرضية عبارة عن ملعب والناس عليها هم لاعبون وما يفعله الناس عليها من أمور الدنيا هو لعب ولهو، فالدنيا حياة عارضة مؤقتة ومرحلة قصيرة، والاختبار هو هل يوقن الإنسان بأن أعمال الدنيا هي لعب ولهو، أم يوقن بأنها الحياة؟، فهذه الحياة التي نعيشها ليست بحياة!!: ((وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآَخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ)) (9).

ـ الأعمال التي ليس فيها نفع أو ضرر أو التي فيها نفع أو ضرر ضئيل جدا يطلق عليها لعب أو تلهي، لأن اللعب والتلهي هو للتسلية فقط، والدنيا لا قيمة لها بالنسبة للآخرة، بل إنها ليست بحياة.

(1) الأنبياء: من الآية 2،3

(2) الكهف: 103، 104

(3) النحل: 63

(4) الحجر: 40

(5) النمل: 4

(6) حديث حسن (صحيح الترغيب والترهيب ج: 3، برقم: 3170)

(7) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 635، برقم 2454)

(8) تفسير ابن كثير - (ج 8 / ص 133)

(9) العنكبوت: 64

هل أنت حي أم ميت؟ · الصفحة ١٥٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

هل أنت حي أم ميت؟ص ١٥٥