تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التي هي مصممة له، فكذلك الإنسان الطبيعي الحي العاقل يفعل ما ينفعه ويبتعد عن ما يضره، وهو يعرف أن ما ينفعه هو الطاعات وما يضره هو المعاصي لذلك فهو يفعل الطاعات، فوظائفه الطبيعية تؤدي إلى الطاعات، فإذا سار الإنسان عكس الإتجاه الطبيعي ففعل المعاصي فإن وظائف الإنسان تتعطل شيئا فشيئا حتى تتعطل نهائيا وتتوقف عن العمل، وتعطيل وظائف الإنسان هو الران أو غياب الإحساس بالقيمة.

ـ وفي إحياء علوم الدين: ((ومهما تراكمت الذنوب طبع على القلوب وعند ذلك يعمى القلب عن إدراك الحق صلاح الدين ويستهين بأمر الآخرة ويستعظم أمر الدنيا ويصير مقصور الهم عليها. فإذا قرع سمعه أمر الآخرة وما فيها من الأخطار دخل من أذن وخرج من أذن ولم يستقر في القلب ولم يحركه إلى التوبة والتدارك أولئك " يئسوا من الآخرة كما يئس الكفار من أصحاب القبور " وهذا هو معنى اسوداد القلب بالذنوب كما نطق به القرآن والسنة)) (1).

ـ والطاعات وترك المعاصي هى غذاء الروح، فإذا منع عن القلب غذائه يظل يضعف حتى يموت، ويقول الشاعر:

رأيت الذنوب تميت القلوب ... وقد يورث الذل إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب ... وخير لنفسك عصيانها

ـ الأدلة على أن المعاصي قد تؤدي إلى غياب الإحساس بالقيمة (الران أو الطبع إلى القلب):

ـ ((كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)) (2)، ((أَوَلَمْ يَهْدِ لِلَّذِينَ يَرِثُونَ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ أَهْلِهَا أَنْ لَوْ نَشَاءُ أَصَبْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَنَطْبَعُ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ)) (3).

ـ جاء في الحديث: ((إِنَّ الْعَبْدَ إِذَا أَخْطَأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ فَإِذَا هُوَ نَزَعَ وَاسْتَغْفَرَ وَتَابَ سُقِلَ قَلْبُهُ وَإِنْ عَادَ زِيدَ فِيهَا حَتَّى تَعْلُوَ قَلْبَهُ وَهُوَ الرَّانُ الَّذِى ذَكَرَ اللَّهُ (كَلاَّ بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ))) (4)، وفي حديث آخر: ((تُعْرَضُ الْفِتَنُ عَلَى الْقُلُوبِ كَالْحَصِيرِ عُودًا عُودًا فَأَىُّ قَلْبٍ أُشْرِبَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ وَأَىُّ قَلْبٍ أَنْكَرَهَا نُكِتَ فِيهِ نُكْتَةٌ بَيْضَاءُ حَتَّى تَصِيرَ عَلَى قَلْبَيْنِ عَلَى أَبْيَضَ مِثْلِ الصَّفَا فَلاَ تَضُرُّهُ فِتْنَةٌ مَا دَامَتِ السَّمَوَاتُ وَالأَرْضُ وَالآخَرُ أَسْوَدُ مُرْبَادًّا كَالْكُوزِ مُجَخِّيًا لاَ يَعْرِفُ مَعْرُوفًا وَلاَ يُنْكِرُ مُنْكَرًا إِلاَّ مَا أُشْرِبَ مِنْ هَوَاهُ ـ قَالَ أَبُو خَالِدٍ فَقُلْتُ لِسَعْدٍ يَا أَبَا مَالِكٍ مَا أَسْوَدُ مُرْبَادًّا قَالَ شِدَّةُ الْبَيَاضِ في سَوَادٍ .. )) (5)، وقال حذيفة: ((إن الإيمان يبدو في القلب لمظة بيضاء فكلما إزداد العبد إيمانا إزداد قلبه بياضا فلو كشفتم عن قلب المؤمن لرأيتموه أبيض مشرقا وإن النفاق يبدو منه لمظة سوداء فكلما إزداد العبد نفاقا إزداد قلبه سوادا فلو كشفتم عن قلب المنافق لوجدتموه أسود مربدا)) (6)، فقد يبدو الكذب مثلا كلمظة سوداء فكلما إزداد العبد نفاقا إزداد قلبه سوادا حتى يصير إلى وقوع في النفاق الأكبر، فقد كان عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ: ((لاَ يَزَالُ الْعَبْدُ يَكْذِبُ وَتُنْكَتُ في قَلْبِهِ نُكْتَةٌ سَوْدَاءُ حَتَّى يَسْوَدَّ قَلْبُهُ كُلُّهُ فَيُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ مِنَ الْكَاذِبِينَ)) (7)، وفي الحديث: ((إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِى إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِى إِلَى الْجَنَّةِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَصْدُقُ حَتَّى يَكُونَ صِدِّيقًا، وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِى إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِى إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَكْذِبُ، حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا)) (8).

ـ وفي تفسير الخازن: (((ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى) ... وقيل معنى الآية ثم كان عاقبة المسيئين أن حملتهم تلك السيئات على أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزئون)) (9).

ـ معاصي القلوب تتطور لتزيل الإحساس بالقيمة وتصبح عبادة للهوى:

ـ معاصي القلوب هي صور من تعلق مشاعر الإنسان بالدنيا وأمورها، كالحسد والحقد وحب الشهوات .. الخ، والإنسان الحي الفطري يرى الدنيا ضئيلة فلا يحسد ولا يحقد ولا يحب الشهوات، لأن حقيقة الشهوات أنها ضئيلة فلا ينخدع بزينتها وأن الشهوات فيها ضرر له يوم القيامة، والإنسان الفطري يبتعد عن ما يضره، كما أن الشيء الضار لا يمكن أن يحبه أحد، فلا يستطيع أحد أن يحب شهوات الدنيا ولكنه يستحبها، أي يتنع حبها، فمثلا هناك فرق بين البكاء والتباكي، فالإنسان إذا أخذ يدفع نفسه نحو حب الشهوات فهو يسير عكس اتجاه فطرته فتتعطل وظائفه فيصبح كالميت لا يحب شيئا ولا يكرهه، وما يقع

(1) إحياء علوم الدين: (ج 2 / ص 215)

(2) المطففين: 14

(3) الأعراف: 100

(4) قال الشيخ الألباني: حسن (جامع الترمذي ج: 5، ص: 434، برقم 3334)

(5) رواه مسلم (386)

(6) كتب ورسائل وفتاوى ابن تيمية في التفسير: (ج: 15، ص: 283)

(7) موطأ الإمام مالك (ج: 1، ص: 385، رقم 1831)

(8) رواه البخاري (6161)

(9) تفسير الخازن ـ موافق للمطبوع - (5/ 204)

هل أنت حي أم ميت؟ · الصفحة ١٥٢

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

هل أنت حي أم ميت؟ص ١٥٢