تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

عليهم في الدنيا وهم يوردون أنفسهم موارد الهلاك: ((إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ)) (1) وهكذا، وكذلك تتغير نظرته إلى الذنوب فيشعر بألم الذنب وأنه يحاسب عليه أمام الله: ((إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا أي بيده فذبه عنه)) (2).

ـ من أثر انتشار عبادة المال انتشار الرشاوى والسرقات وعدم رد الأمانة والتفنن في طرق النصب والغش واستغلال الآخرين والتطفل عليهم، ويأكل الإنسان حقوق الآخرين في الميراث، وصاحب العمل يأكل حقوق من يعملون عنده، والمسئول يأكل حقوق من هم أقل منه في المرتبة، وسرقات المال العام وسرقات أموال الناس وانتشار الواسطة والمحسوبية، وكل من يجد فرصة يغتنم فيها مالا سواء من حلال أو حرام فيكون حريصا عليها، فيتكون عالم يتنافس على الدنيا والمال، وبالكاد تكاد تجد رجلا أمينا لا يختلس ولا يغش لأن هذه الأمة مرضها الأول هو عبادة المال وفي الحديث: ((إِنَّ لِكُلِّ أُمَّةٍ فِتْنَةً وَفِتْنَةُ أُمَّتِى الْمَالُ)) (3)، وفي حديث آخر: ((ما أخاف على أمتي إلا ثلاثا شح مطاع وهوى متبع وإمام ضال)) (4)، وفي حديث آخر: ((إنكم سترون بعدي أثرة شديدة فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله فإني فرطكم على الحوض)) (5)، ومعلوم أنه لا يمر عام ولا يوم إلا والذي بعده شر منه فإذا كان هناك أثرة بعد الرسول (ص) فهي تزيد كل يوم عن الذي قبله ففي الحديث: ((لا يأتي عليكم عام ولا يوم إلا والذي بعده شر منه حتى تلقوا ربكم)) (6)، في حديث آخر: ((ليغشين أمتي من بعدي فتن كقطع الليل المظلم يصبح الرجل فيها مؤمنا ويمسي كافرا يبيع أقوام دينهم بعرض من الدنيا قليل)) (7)، وفي حديث آخر: ((بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم يصبح الرجل مؤمنا ويمسي كافرا ويمسي مؤمنا ويصبح كافرا يبيع دينه بعرض من الدنيا)) (8)، ومعنى (عرض من الدنيا) أي المال وما يشتريه الإنسان بالمال.

ـ ومن أثر عبادة المال أن يأخذ الإنسان الشيء بسيف الحياء ويستغل الآخرين ويتطفل عليهم ويكره الخير لهم ويفرح في مصائبهم فقلبه مليء بالحقد والحسد والبغضاء، ولا يريد الخير لغيره، ويتمنى زوال النعمة من غيره ويفرح في مصائب الناس حتى يكون هو أعلى، والحرص على الدنيا والخوف الشديد من الحسد أو من أي شيء من الممكن أن يسلب منه شيئا مما عنده من أمور الدنيا، وكثرة الحديث عن أصحاب الأموال والثروات والانبهار بمدى الثراء الذي هم فيه وكيف وصلوا إلى هذه الثروة وتمني هلاكهم وزوال هذه النعم من عندهم، والانشغال بتمني الوصول السريع والكبير إلى ثروة هائلة، ويكون كل همه وكل شكواه من نقص المال وغلاء الأسعار وكل همه في التشاحن على الدنيا والتقاتل عليها من أجل دراهم معدودة، والعكس صحيح فعدم التشاحن على الدنيا يجعل الإنسان هين لين ففي الحديث: ((حرم على النار كل هين لين سهل قريب من الناس)) (9).

ـ ومن أثر عبادة الذات أن لا يكون الإنسان مهموما إلا بنفسه على قاعدة: (أنا وبعدي الطوفان)، فهو لا يريد غير مصلحته، ففي تفسير الوسيط: (((يَغْشَى طَائِفَةً مِنْكُمْ وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُم) أى: ما يهم إلا هم أنفسهم، لا هم الدين ولا هم الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين)) (10).

ـ ومن أثر عبادة الدنيا أن يكون كلام الإنسان بعيدا عن الكلمات الدينية فإذا حسبت عدد كلمات (الله) مثلا أو (الآخرة) مثلا أو أي حديث أو آية أو كلمة من كلمات القرآن والسنة والشرع على لسانه فلا تجد أو تجد قليلا جدا.

ـ المعاملات المادية وما يحدث فيها من أن يأكل الفرد مال غيره سواء في مشاركة في تجارة أو اقتراض مال من أحد أو غش في بيع أو شراء أو عدم رد الأمانة أو بخل شديد كل هذا يدل على تعلق المشاعر بالمال والدنيا وذلك أثر من عبادة الهوى ويكشف حقيقة ما بداخل الفرد.

ـ ومن أثر عبادة الهوى أن يكون حب الإنسان للمال أكبر من حبه للحسنات، وحزنه على ضياع المال أو أي شيء من متاع الدنيا أشد من حزنه على ضياع الحسنات أو الوقوع في المعاصي أو التقصير في جنب الله، ذلك لأن قيمة الدنيا في مشاعره أكبر من الآخرة وأكبر من الله!!، رغم أنه في الاقتناع النظري فالله أكبر وأعظم والدنيا ضئيلة فانية، وهذا إذا كان هناك شيء ولو ضئيل من حب الحسنات وحب تحصيلها، فما بالك إذا لم يكن عنده أي حب حقيقي للحسنات مطلقا.

(1) الشعراء: 135

(2) حديث صحيح (مشكاة المصابيح ج: 2، برقم 2358)

(3) تحقيق الألباني: صحيح (انظر حديث رقم: 2148 في صحيح الجامع)

(4) حديث صحيح: (السلسلة الصحيحة: ج: 7، برقم 3237)

(5) تحقيق الألباني صحيح (صحيح الجامع برقم: 2452)

(6) تحقيق الألباني صحيح (صحيح الجامع برقم 7576)

(7) حديث صحيح (صحيح الجامع برقم 5460)

(8) قال الشيخ الألباني: صحيح (جامع الترمذي ج: 4، ص: 487، برقم 2195)

(9) حديث صحيح (صحيح الجامع برقم 3135)

(10) الوسيط لسيد طنطاوي - (1/ 773)

هل أنت حي أم ميت؟ · الصفحة ١٤٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

هل أنت حي أم ميت؟ص ١٤٩