وهكذا: شُغلت نفس الطالب الأزهري بالفتاة حتى لم يَعُد فيها مكان لذكر الله.. أو لاستذكار دروسه، واستولي واقع حياته في القاهرة على إرادته، فلم تبقَ له حرية في اختيار التصرُّف وتحديد السلوك الذي يجب اتباعه. ... ...
ولو أن الطالب عرف من أول الأمر أن "التطرف" في تطبيق مبادئ الإسلام لا يترتب عليه إلا تطرُّف آخر في الجانب المقابل للإيمان، وهو جانب الحياة الدنيا والاستمتاع بمُتعها، لمَّا تطرَّف في التصور والتطبيق كما كان يفعل في الصعيد، فواقع الحياة الذي يعيش فيه هذا الطالب الأزهري الآن يمثل تطرُّفًا في موقفه وسلوكه، بعيدًا عن الإيمان وتطبيق مبادئه. ...
والإسلام عندما قيَّم الحياة الدنيا ومُتعها المادية لم يُقيمها ليَخلُص من هذا التقييم إلى طلَب حِرمان الإنسان الذي يؤمن بالله مِن مُتعها.. وإنما فقط ليَحول بينه وبين الإسراف في الاستمتاع بمُتعها: فعندما يقول القرآن الكريم منذ أول أجيال البشرية: (يا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كلِّ مَسجدٍ وكُلُوا واشْرَبُوا ولا تُسْرِفُوا إنَّهُ لا يُحِبُّ المُسْرِفِينَ). (الأعراف: 31). ليُوضح أن الدنيا لا ينبغي أن يهرب المؤمن مِن مُتعها، وإنما فحسب لا يُسرف في الاستمتاع بها، وهنا تطلب مثل هذه الآية الاعتدال وعدم التطرُّف، ومِن التطرُّف هجْرها وترْكها كليةً.. أو الإقبال عليها في شرَهٍ ونَهَمٍ حتَّى يُصبحَ مُسْرِفًا في استخدامها. ...
ولو أن هذا الطالب واجَهَ مُتَعَ الحياة الدنيا في اعتدالٍ فكان لا يرى الشيطان مُجسَّمًا في المرأة، وبالتالي كان لا يتخيَّلها إلا شرًّا خالصًا.. لو كان موقفه هذا الموقف لمَا بلغ افتتانُه بابنة عمه هذه الدرجة التي جعلتْه ينسى الله، ويذكرها هي.