(لو قد جاءنا مال البحرين لقد أعطيتك هكذا وهكذا وهكذا، وقال بيديه جميعا) أي وأشار بكفيه، وهو يقول: هكذا، والمقصود من مال البحرين مال الجزية، فقد كان رسول الله ﷺ قد صالح أهل البحرين، وأمر عليهم العلاء بن الحضرمي، وكان من أهل حضرموت، وكان ذلك سنة الوفود، سنة تسع، وبعث ﷺ أبا عبيدة بن الجراح، فأتى بمال الجزية، فوزعه ﷺ، ثم وعد جابرا أن يعطيه من جزية العام القابل.
(فقبض رسول الله ﷺ قبل أن يجيء مال البحرين) الموعود به.
(فقدم على أبي بكر بعده) أي فقدم مال البحرين على أبي بكر، بعد وفاة رسول الله ﷺ من أميرها العلاء بن الحضرمي.
(فأمر مناديا فنادى: من كانت له على النبي ﷺ عدة أو دين فليأت) العدة الوعد، وفي الرواية السادسة "من كان له على النبي ﷺ دين، أو كانت له قبله" بكسر القاف وفتح الباء، أي جهته "عدة فليأتنا".
(فقمت فقلت ... إلخ) أي قال جابر: فذهبت إلى أبي بكر، فقلت له كذا وكذا.
(فحثى أبو بكر مرة) أي حثوه، يقال: حثا التراب يحثوه، حثوا، وحثى التراب يحثيه حثيا، والحثوة والحثية الغرفة والحفنة.
(خذ مثليها) عدا، لا حفنا وحثيا، فيكون مجموع ما أعطى جابر ألف وخمسمائة، وفي رواية للبخاري "قال جابر: فعد في يدي خمسمائة، ثم خمسمائة، ثم خمسمائة".
-[فقه الحديث]-
-[ويؤخذ من أحاديث الباب]-
١ - جود النبي ﷺ وسخاؤه، وعدم رده للسائل، قال الحافظ ابن حجر: لكن يشكل عليه أن في حديث الأشعري، لما سأل الأشعريون الحملان، قال النبي ﷺ "والله لا أحملكم" قال: فيمكن أن يخص من عموم حديث جابر، بما إذا سئل ما ليس عنده، والسائل يتحقق أنه ليس عنده ذلك أو حيث كان المقام لا يقتضي الاقتصار على السكوت، من الحالة الواقعة، أو من حال السائل، كأن يكون لم يعرف العادة، فلو اقتصر في جوابه على السكوت، مع حاجة السائل، لتمادى على السؤال مثلا، ويكون القسم على ذلك تأكيدا لقطع طمع السائل.
٢ - استنبط بعضهم من الحديث تحريم البخل، لأنه من لازم عدم قول لا: إثبات نعم، ومن القواعد أنه ﷺ إذا واظب على شيء، أن ذلك علامة وجوبه، فواظب على قول نعم، أو على عدم "لا" فالبخل حرام، لكن هذا الاستنباط لا يتم، لأن الذي يحرم من البخل ما يمنع الواجب، ولو سلمنا أنه يدل على الوجوب، فلنا أن نقول: إنه يختص بالنبي ﷺ، والتحقيق أن من البخل ما يحرم، ومنه ما يكره، ومنه ما يباح بل منه ما يستحب، بل ما قد يجب. والله أعلم.