تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الوضوح في التعاملات

ومن الدروس البارزة النافعة القيمة في الهجرة النبوية الشريفة : وجوب الوضوح في التعاملات بين المسلمين ، على أن تكون وفق ما شرع الله تعالى ورسوله ، ونابعة منه ، سواء أكانت هذه التعاملات في الجانب الاجتماعي أم في الجانب الاقتصادي ، للأمة المسلمة .

وذلك : ليظهر للعيان النموذج الأمثل ، وتقدم الأسوة الحسنة حية في دنيا الناس ، شاهدة على واقعية هذا الدين ، وصلاحية أهله لقيادة العالمين .وسنخصص الحديث هنا عن ضرورة " الوضوح في التعاملات المالية " بين المسلمين : _

لأنها الدرس الحركي الواضح في هذه الهجرة .

ولأن هذا الجانب هو الأهم عند الناس ، وإذا صلح فيهم ، سهل إصلاح وصلاح غيره لديهم .

وحرصا منا _ كما يعلمنا النبي - صلى الله عليه وسلم - على التنبيه على قطع دابر الخلاف الذي ينشأ بسبب المال ، ويقطع الروابط ، ويمزق الصلات ، بين أتباع هذا الدين العظيم ، الذي يدعو إلى الوحدة والترابط والتماسك ، كسبيل لبلوغ أهدافه العظيمة في إسعاد البشرية

وكان ذلك . . ! !

لأن المال : هو عصب الحياة _ كما يقال _ وهو : أحد زينتي الحياة الدنيا ( المال والبنون زينة الحياة الدنيا ) "28 "

ولأن طبيعة النفس البشرية : نزاعة لحب المال وتملكه ( وتحبون المال حبا جما ) " 29 "

وهذه النزعة البشرية شديدة وقوية . . يقول - صلى الله عليه وسلم - : " لو أن ابن أدم أعطى واديا ملآن من ذهب أحب إليه ثانيا ، ولو أعطي ثانيا أحب إليه ثالثا ، ولا يسد جوف ابن أدم إلا التراب ، ويتوب الله على من تاب " 30 "

وهذه فطرة فطر الله الإنسان عليها ؛ لتستمر الحياة ، ويعمر الكون ، ولذا لا تعاب فيه ، ما دامت لا تتعدى به ، ولا يتعدى هو بها الضوابط التي وضعها له خالقه ، وخالق فطرته ، سبحانه وتعالى ، سواء أكانت هذه الضوابط في اكتساب هذا المال أ م فيه اكتنازه ، أو إنفاقه .ولذلك : أعطى الإسلام هذا الجانب اهتماما كبيرا ، وعناية فائقة :

يتضح ذلك جيدا في كتاب الله تعالى ، وفي سنة النبي - صلى الله عليه وسلم - ، القولية والفعلية .

وهو واضح _ كذلك _ في دروس الهجرة .

تقول عائشة رضي الله عنها : " . . . قال أبو بكر يا نبي الله إن هاتين راحلتان قد كنت أعددتهما لهذا . . . ولما قرب أبو بكر رضي الله عنه الراحلتين إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قدم له أفضلهما ، ثم قال : اركب فداك أبي وأمي .

فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إني لا أركب بعيرا ليس لي ، قال : فهي لك يا رسول الله بأبي أنت وأمي. . !!

قال : لا ، ولكن ما الثمن الذي ابتعتها به . . ؟ قال : كذا وكذا ، قال - صلى الله عليه وسلم - : قد أخذتها به ، قال : هي لك يا رسول الله ، فركبا وانطلقا . . . " 14 "

ما كان أحرى برسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أن لا يدقق هكذا ، فأبو بكر صديقه وصديقه وأقرب الناس إليه ، والراحلة أقل من أن ينتظر أبو بكر من رسول الله ثمنها ، وهو الذي يفتديه بأمه وأبيه ، بل بروحه التي بين جنبيه . . ! ! وليس بين الأصدقاء _ أو الجيدين، كما يقولون _ حساب . . ! !

ولكنه التشريع للأمة ،

ولكنه التعليم لها ،

ولكنها القدوة لشباب الصحوة ، والنموذج الواعي الواضح لأهل الدنيا كلها ،

ولكنه الحرص على : تماسك الصف ، وقوة البنيان ، ووحدة المسلمين ، وحمايتهم من شر المال ، وسوء التعامل فيه ، وبه .

وليس هذا فقط . . فإنه - صلى الله عليه وسلم - حينما وصل المدينة ، وبركت ناقته في موضع المسجد النبوي اليوم : ماذا فعل . . ؟

في البخاري . . " وكان _ أي موضع المسجد _ مربدا للتمر لسهيل وسهل غلامين يتيمين في حجر أسعد بن زرارة ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، حين بركت به راحلته : هذا إن شاء الله المنزل ، ثم دعا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الغلامين ، فساومهما بالمربد ؛ ليتخذه مسجدا ، فقالا : لا ، بل نهبه لك يا رسول الله ، فأبى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يقبله منهما هبة ، حتى ابتاعه منهما " "14 "

وهذا درس ينبغي أن يعيه شباب الحركة الإسلامية اليوم جيدا ! !

فكم من تعاملات بدأت بوافر حسن النية ، وعظيم ثقة الأخوة ، ولكنها نسيت هذا الدرس ، وتخلت عن بعض ضوابط الشرع : فما كان لها من مصير سوى الطريق المسدود ، والفساد السريع ، والتخطي منه إلى القطيعة ، بل إلى الشحناء والعداوة . .؟!!

ولذا : فليس عيبا _ بل هو التشريع _ أن نتكاتب في تعاملاتنا ( يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه . . ) الآية "31 "

ولا يقلل هذا من حسن النية ، وثقة الأخوة ، وتوافر الحب ، وإسلامية التعامل .

وليس عيبا _ بل هو التشريع _ أن يكون الوضوح رائدنا في تجارتنا وفي بيعنا وشرائنا ، وإقراضنا وإقتراضنا ، و . . الخ من صور التعاملات المالية ، فيما بيننا وبين بعضنا البعض ،ووضوحها بيننا وبين الآخرين . . ! !

وليس عيبا _ بل هو التشريع _ أن نأخذ حقوقنا من بعضنا البعض عن أعمال نؤديها ، أو تؤدى لنا

" ثلاثة أنا خصيمهم يوم القيامة : . . " أحدهم : " رجل استأجر أجيرا فاستوفى منه ولم يعطه أجره" " 32 " آيا كان هذا الحق ، وأيا ما كان هذا العمل .

ولا يقلل هذا من : حسن النية ، وثقة الأخوة ، وتوافر الحب ، وإسلامية التعامل .

وليس عيبا . . ! !

وليس عيبا . . الخ .

ولن نقيم الدولة على أسس راسخة ونحافظ على قوة الترابط ، وحسن النية ، وثقة الأخوة ، وتوافر الحب ، وإسلامية التعامل ، ووضوح الرؤية ، وسرعة الوصول للأهداف ، والتخلص من عوامل الخلاف : ما لم نجاهد أنفسنا في الإفادة من هذا الدرس النبوي الكريم الذي علمناه محمد - صلى الله عليه وسلم - خلال هجرته العظيمة .

تأملات في رحلة الهجرة

نحن الآن في مكة والحرب قائمة بين التوحيد والشرك ، بين الإصلاح والجمود ، بين محمد وقريش ، وبذلت قريش قوتها ، وبذلت قريش مالها ، وقدمت دنياها كلها ، في شيء واحد : هو أن تمنع هذا الخير عن الدنيا .

قال محمد : افتحوا لي الطريق لأخرج إلى الأرض الفضاء ، فأنصر الضعيف ، وأنجد المظلوم ، وأعيد للبشرية كرامتها ، وللعقل سلطانه ، قالوا : لا .

قال : افسحوا لرسالتي لتنطلق في الزمان ؛ فإنها ليست لبلد واحد ، ولا ليوم واحد ، قالوا : لا ‍‍! ولكن تعال نملكك إن شئت علينا ، ونمنحك أموالنا ونجعلك سيّد هذا البلد كله .

وسخر التاريخ من قريش ... يدعوهم محمد ليعطيهم سيادة الأرض ، وزعامة الدنيا، ويضع في أيديهم مفاتيح الكنوز : كنوز المال ، وكنوز العلم ، ويمنحهم ما يملك كسرى وقيصر ، وهم يدعونه ليعطوه إمارة هذه القرية ، النائمة بين جبلين ، وراء رمال الصحراء . وانطلقوا يؤذونه ، ويتوعدونه ؛ لعل الترهيب يفعل فيه ما لم يفعل الترغيب .

رموا في طريقه الشوك وهو ماش ، وألقوا عليه كرش الناقة وهو ساجد ، ورموه في الطائف بالحجارة وأسالوا دمه ، وهزئوا به ، وسلطوا عليه سفهاءهم .

فلم يثر هذا كله غضبه ولكن أثار إشفاقه ، إشفاق الكبير على الأطفال المؤذين ، والعاقل على المجانين ، وكان جوابه : اللهم اهد قومي فإنهم لا يعلمون ، ولم يصرفه عن وجهته شيء .

وآذوا المسلمين الأولين ، ليفتنوهم عن دينهم ، وعذبوهم ، وكانوا يبطحون المسلم عارياً على الرمال الملتهبة التي يشوى عليها اللحم ، ويضعون عليه الصخرة الهائلة ، ويلوّحون له بالماء ، ويقولون : اكفر برب محمد حتى نسقيك وننجيك . فيقول : أحدٌ ! أحدٌ ! وتشغله لذة المناجاة ، عن لذعة العذاب ، ونشوة الأمل بالجنَّة ، عن شقوة الألم في الدنيا .

احتملوا في سبيل كل شيء ، الضرب ، والجرح ، والحرق ، والجوع ، والسهر ، واستحْلوا في سبيل الله المرائر ، واستحبوا أبغض المكاره إلى النفوس إن كان فيها رضا الله .

ودعاهم الرسول إلى ما هو أشد من هذا كله ، إلى فراق الوطن ، وترك الأهل ، وأن يمشوا فراراً بدينهم إلى بلاد ليسوا منها ، وليست منهم ، ولا لسانها لسانهم ، ولا دينها دينهم ، إلى الحبشة يجاورون فيها النصارى ، ونصارى الحبشة أولى بهم من مشركي العرب ، ولتجدن أقرب الناس مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ، فخرجوا من منازلهم وهجروا أهلهم ، ومشوا إلى الحبشة فلحقهم أذى قريش إلى الحبشة وأوغلت قريش في كفرها وصدها وعنادها ، ولكن هل تقدر قريش أن تطفىء نور الله ؟ إن البخار الذي من طبعه الانطلاق إلى العلاء لا يحصر في زجاجة ، وإن حصرته وجد منفذاً أو مزق الاناء ، وكذلك صنع الإسلام .

وهاجر المسلمون مرة ثانية ، ولكنها هجرة إلى ديار عربية ، إلى قرية قدِّر لها أن تبقى الدهر كله خاملة وراء الرمال ، حتى تتشرف بمحمد ، فإذا هي أُم المدائن ، وعاصمة العواصم ، منها تنبع عيون الخير والهدى لتسيح في الأرض ، فتسقيها وتعمها بالخيرات ، وإليها تنصب أنهار الملك والغنى والسلطان من كل مكان .

هاجر المسلمون جميعاً ولم يبق في مكة إلا النبي ورجلان اثنان ، مرافقه في السفر، ووكيله في مكة رجلان كانا أول من أسلم، وآخر من هاجر سيد الكهول أبو بكر وسيد الشباب عليّ .

تأخر محمد كما يتأخر الرُّبان الشريف على ظهر الباخرة الميئوس منها فلا ينزل حتى ينزل الركاب جميعاً .

وكما يتأخر الراعي الأمين ، عند المَفازة فلا يجوز حتى يجوز القطيع كله تأخرٌ يحمي أتباعه ، ويستقبل بصدره الخطر .وجاء الخطر على أشد صوره وأشكاله .

اتفق زعماء قريش على ارتكاب أكبر جريمة في تاريخ الجنس البشري . جريمة لو تمت ، لما كانت في التاريخ دمشق ولا بغداد ولا القاهرة ولا قرطبة ، ولا كانت للراشدين دولة ، ولا للأمويين ، ولا للعباسيين ، ولا فتح بنو عثمان القسطنطينية ، ولا بني الأموي ، ولا النظامية ولا الحمراء ، ولما قامت الحضارة التي قبست منها أوربا حضارتها .

وهنا تتجلى رجولة محمد وشجاعته ، وثبات أعصابه ، وهنا يظهر نصر الله لأوليائه - حين فتح محمد الباب ، وخرج يشق صفوفهم ، يقتحم الجموع ، التي جاءت تطلب دمه ، وروَّعتهم المفاجأة ، وأعمت أبصارهم ، وما عادوا إلى أنفسهم حتى كان محمد قد مضى ، وصحوا كأن حلماً مرَّ بهم ، وشقوا الباب ونظروا ليتوثقوا ، فرأوا فراش محمد فيه رجل نائم ، ففركوا عيونهم وتنفسوا الصعداء .

وأدركت قريش الحقيقة بعد ما مضى محمد ، وعم الصريخ مكة وضواحيها ، وخرج القرشيون فرساناً ومشاة يُركضون خيولهم ، ويَعْدون إلى كل ناحية ، يتلفتون مذعورين .

ما لهم ؟ ما لهم وهم حماة الديار ، وفرسان المعارك ، قد أطار الفزع ألبابهم وصدع الذعر قلوبهم ؟

ما لكم يا ناس ؟ قالوا خرج محمد !

وماذا تطلبون منه ؟ أخذ أموالكم ؟

قالوا : معاذ الله ، إنه الأمين المأمون أداها عن آخرها .

أجرم جريمة فأنتم تطلبونه بها ؟

قالوا : حاشا لله ، إنه أحسن الناس خلقاً ، وأطهرهم يداً ،

ماذا تريدون منه ؟ قالوا : انه سيجند الدنيا كلها ، لمحاربة أربابنا وأصنامنا وجهلنا وكبريائنا ، سيضطرنا إلى هدم الحجارة الجامدة ، وعبادة الله الواحد ، واتباع سبيل الهدى ، والخير والسداد .

أهذا الذي تنقمون من محمد ؟

وسخر التاريخ من قريش مرة ثانية !

وعادت قريش بخزيها ، وأهاجت الجزيرة ضد محمد ، ووضعت الجوائز ، مئة ناقة لمن يأتي بمحمد حياً أو ميتاً .

وكان محمد وصاحبه في الغار فلحقهم فارس ، وخاف أبوبكر وقال : والله ما على نفسي خفت ، ولكن عليك ، فأجاب محمد بالكلمة التي تجمع وحدها معجزات الايمان كلها ، مهما تعددت صورها ، من الشجاعة والتضحية والثبات والإيثار ، قال : لا تحزن ؛ إن الله معنا .

إن الله مع من يكون مع الله ، إن الله ينصر من ينصره ، فلا يحزن من كان الله معه . إن جبهة معها الله لا تنكسر ، ولو كان ضدّها الوجود كله ! .

ومشى الموكب إلى الدنيا الواسعة . موكب صغير ، ولكنه أجلُّ من أعظم موكب ، أحست بوطأته هذه الكرة التي نمشي على ظهرها ، ولم تعرف موكباً أنبل منه قصداً ، وأبعد غاية ، وأخلص نية ، وأعمق في الأرض أثراً .

موكب صغير يمشي في الصحراء الساكنة ، لا رايات ولا أعلام ، ولا أبواق ولا طبول ، ولا تقوم له الجند على الصفين ، ولا يصفق له الناس من النوافذ ، ولكن تصفق الرمال فرحاً بالذي سيضفي عليها ثوب الخصب والنمو ، وتزهى الجبال طرباً ، بالذي سيقيم عليها أعلام النصر والعز ، وتبرز من بطن الغيب جحافل القواد والعلماء والأدباء الذين أنبتهم مسير محمد في هذه الصحارى . حتى أشرف على المدينة، وأقبلت جموع كالجموع التي خلفوها في مكة، ولكن تلك كانت للشر ، وهذه للخير . وتلك تنادي بالموت لمحمد ، وهذه تنادي بالحياة لرسول الله .

وكانت هذه نقطة التحول في التاريخ الإسلامي .

كل ما قبلها هزائم ، وما بعدها إنما هو نصر إثر نصر، ولذلك جعلناها عيدنا الأكبر ، وجعلناها ابتداء تاريخنا . ها نحن أولاء الآن على أبواب المدينة ، وقد خرجت كلها تستقبل محمداً ، ولو استطاعت من الحب لفرشت له الطريق بقِطع أكبادها ، حتى يمشي على قلوبها ، وكانت تنشد نشيد الاستقبال :

طلع البدر علينا من ثنيات الوداع

وجب الشكر علينا ما دعا لله داع

وها هم الناس يسألون : أيهم هو ؟ أيهم محمد ؟

لا يعرفونه ، لأنه لم يكن ملكاً ، ولا يلبس الحرير ، ولا تلوح عليه شارات الملك ، ولا يتألق على جبينه التاج ، بل كا عبداً متواضعاً ، يلبس ما يلبس الناس ، ويأكل ما يأكلون ، ويجوع إن جاعوا ، يشبع إن شبعوا ، ولقد كان في أصحابه الأغنياء الموسرون ، ولكن محمداً أحب أن يعيش فقيراً وأن يموت فقيراً.

وحسبوا أبا بكر هو النبي ، فكانوا يسلمون عليه ، وهو يشير إلى الرسول ، يقول لهم بيده : ها هو ذا محمد . وأقبلوا يدعونه لينزل فيهم يتسابقون على هذا الشرف الخالد .

فماذا صنع ؟ انظروا إلى لطفه ولباقته ، أنه لا يريد أن يؤذي أحداً بالرفض ، فقال : اتركوا الناقة ، فإنها مأمورة ، ومشت الناقة حتى بركت عند دار أبي أيوب الأنصاري . أبو أيوب ، الذي كتب الله له أن يحضر بعدُ حربَ القسطنطينية وأن يوغل في الهجوم يريد أن يموت في أبعد مكان ، فمات ودفن على ضفاف البوسفور ، وبقي قبره يدعو المسلمين إلى فتحها قروناً طوالاً ، حتى كتب الله هذا الثواب للسلطان محمد الفاتح .

نحن الآن مع محمد - صلى الله عليه وسلم - في المدينة . أنه يؤسس الدولة الجديدة ، فبم ترونه يبدأ ؟ بمهرجان فخم يبايعونه فيه بالمُلك ؟ إنه لا يريد الملك ! يبني ثكنة باحتفال عظيم ويجيّش جيشاً ؟ إنه لا يبتغي العلو في الأرض ! يفرض الضرائب ؟ لا ، ولكن يبدأ بعمارة المسجد .

إنها ظاهرة عظيمة يحسن أن يقف القاريء عندها . يبدأ بالمسجد ، كما بُدىء الوحي بآية ( القراءة ) و ( التعليم ) بالقلم .

بدأ بالمسجد ، والمسجد في الإسلام ، هو ( رمز ) الإيمان ، وهو البرلمان ( رمز ) العدل ، وهو المدرسة ( رمز ) العلم .

ولم يغصبه بل شراه بالمال وذلك ( رمز ) الإنصاف ، ولم يأمر ببنائه ويقعد ، بل شارك أصحابه العمل ، وحمل الحجارة بيده ، وهذا ( رمز ) التواضع ، وبناه من اللبن والطين . بلا زخارف ولا نقوش وهذا ( رمز ) البساطة

فكان من هذه ( الرموز ) الإيمان والعدل والعلم والإنصاف و التواضع والبساطة مجموعة شعائر الاسلام .

ــــــــــــ

دروسٌ وعبرٌ منَ الهجرةِ النَّبويَّةِ · الصفحة ٩١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دروسٌ وعبرٌ منَ الهجرةِ النَّبويَّةِص ٩١