إصلاح النفس . . أولا
الدرس الثالث
على الداعية المسلم الواعي : أن يركز أولا _ ودائما _ وقبل كل شئ ، على : تزكية نفس المدعو ، وطهارتها ، وإصلاحها ، وتحبيبها في المعروف ، وتنفيرها وتبغيضها في كل منكر .
حيث إن إصلاح النفس : مدخل إلى كل خير ، وطريق إلى كل نجاح ، وهو في الوقت نفسه : غاية عزيزة المنال ، غالية الثمن ، تحتاج إلى : صدق العزم ، وشد الرحال ، وبذل الجهود .
وهذا : ما ركز عليه ، ولفت الأنظار إليه ، وفعله ، النبي - صلى الله عليه وسلم - مع وفد الأنصار الذين قدموا عليه بمكة ، وبايعوه في العقبة . . حيث بايعهم - صلى الله عليه وسلم - على ذلك في بيعة العقبة الأولى ، ثم بعد عام كامل ، سمت فيه أرواحهم ، وزكت نفوسهم ، وطهرت قلوبهم ، وصلب عودهم ، وصاروا صالحين لتحمل أعباء الدعوة ومهامها ومشاقها : بايعهم - صلى الله عليه وسلم - على الأمور التنظيمية التي تحتاج الدعوة إليها ، ولا يتم نشرها ولا نجاحها بدونها
يقول عبادة بن الصامت :" كنت فيمن حضر العقبة الأولى وكنا أثنى عشر رجلا ، فبايعنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على بيعة النساء . . على : أن لا نشرك بالله شيئا ، ولا نسرق ، ولا نزني ، ولا نقتل أولادنا ، ولا نأتي ببهتان نفتريه من بين أيدينا وأرجلنا ، ولا نعصيه في معروف . . ثم قال : فإن وفيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم من ذلك شيئا فأخذتم بحده في الدنيا : فهو كفارة له ، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة : فأمركم إلى الله عز وجل ، إن شاء عذب ، وإن شاء غفر " "26
أما في بيعة العقبة الثانية ، بعد عام كامل من الأولى .
فقد كانت البيعة :
" على السمع والطاعة في النشاط والكسل ، والنفقة في العسر واليسر ، وعلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، وأن تقولوا في الله لا تخافوا في الله لومة لائم ، وعلى أن تنصروني وتمنعوني _ إذا قدمت عليكم _ مما تمنعون منه أنفسكم ، وأزواجكم ، وأبنائكم ، ولكم الجنة " "27 "
وهذا درس من الهجرة في غاية الأهمية : حيث إن النفس الطاهرة يجذبها نور الدعوة وصفاؤها ، وتستعذب التضحية في دين الله تعالى بالنفس والنفيس ، مع الثبات - الذي لا تهزه شدائد أو لذائد _ على طريق الحق .
وإغفال هذا الدرس : بالإهمال لإصلاح النفس كلية ، وترك الحبل لها على الغارب ، حتى تبعت جموع هذه الأمة هواها ، وضلت سبيل رشدها ، وفقدت صلاح حالها : هو الذي ألقى بها في أوحال هذا التردي الذي تعانيه ، والتخبط الذي ترسف فيه .
وبسبب إغفال هذا الدرس ، وهذا الإصلاح : أصبحت هذه الأمة : خاوية الوفاض من كل ما يثبتها ، ويملؤها طمأنينة ، وصارت : ترتجف من كل ناعق ، وتتبع كل مضل لها ، رغبا أو رهبا ، حتى سقط أصحاب هذا الزمان في قاع المستنقع البشري ، وغلبهم التخلف العالمي ، وصاروا _ إن كان لقدمهم موضع _ في ذيل قائمة أهل الدنيا وسكانها ، وفقدوا مقومات النجاح ، وضاعت منهم مؤهلات الخيرية ، وندت عنهم أنوار الوسطية ، وعوملوا بلا اكتراث ، بل عوملت حقوقهم بالافتراس ، إلى غير ذلك من ألوان الخسف والنكال والانتقاص .
وإن إغفال هذا الدرس من الحركة الإسلامية خاصة : بسبب الاهتمام والتركيز على الأمور التنظيمية قبل إصلاح النفس ، أو دون استمرار ومتابعة لتزكيتها ، أمر خطير النتائج ، تعاني منه الدعوات ، وتدفع الثمن _ حال إغفاله _ غاليا .
كما وأن الأمور التنظيمية التي تحتاجها الدعوة ، ولا تستمر إلا بها ، لا يمكن أن تنجح ، وتؤدى على الوجه الأكمل ، إلا من متعبد لله تعالى بها ، باحث عن مرضاة ربه عن طريق الإخلاص لله تعالى في أدائها ، ولا يؤديها على هذا النحو
إلا من سمت روحه ، وزكت نفسه ، وأسعدته الجندية الحقه في سبيل نشر كلمة الله تعالى ، ورفع راية الدعوة ، وإعلاء شأن المسلمين
ــــــــــــ