تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

القرار للقيادة

القرار : هو الموجه للجماعة ، والآمر الناهي فيها ، وبموجبه : تتحدد السياسات ، وتوضع البرامج ، وتنفذ الخطط ، وتتحقق الغايات ، وتتقدم الدول ، ويرتفع شأنها ، خاصة : إذا انبثق عن دراسة وتشاور ، وتولد عن خبرة ودراية ، وصدر عن حكمة وتعقل .

وبدونه : تتشعب الأهواء ، وتتفرق السبل ، وتتخبط السياسات ، وتتعطل المصالح .

ولذلك . . ! !

لابد منه أولا .

ولابد من طاعته وتنفيذه ثانيا .

والقيادة هي صاحبة القرار . . ! !

لأنها : صاحبة الرؤية الشاملة ، والإحاطة الواسعة ، والنظرة الثاقبة .

وعلى جنود الصف الاقتناع بما تراه القيادة ، والتسليم بما تقدره ، والتنفيذ الفوري لما تأمر به ، ما دام قرارها قد سلم من أمر بمعصية ، أو نهي عن معروف .

في الروض الأنف : " وبعد بيعة العقبة الثانية . . قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - للأنصار : ارفضوا إلى رحالكم ، فقال له العباس بن عبادة بن نضله : والله الذي بعثك بالحق ، إن شئت لنميلن على أهل منى غدا بأسيافنا ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم ، فرجعنا إلى مضاجعنا ، فنمنا عليها حتى أصبحنا " "48 "

وكان هذا أمرا واضحا لدى الصحابة في البدء والمنتهى .

في البداية . . يقول له : " إن شئت لنميلن " أي أنت يا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاحب القرار المطاع .

وفي النهاية . . يقول : " فرجعنا إلى مضاجعنا " دون مناقشة للقرار ، أو تباطئ في تنفيذه

وهذا واحد من أسباب ووسائل نجاح القيادة : وهو علم الجنود التام الواعي بحق القيادة في اتخاذ القرار ، ومسارعة الجنود في تنفيذ هذا القرار ، دون اعتراض عليه ، أو تشكيك فيه ، أو تأخر في تنفيذه .

وهذه الطاعة : واحدة من الفروض الشرعية ، التي أمر بها الإسلام ، وكفلها للقيادة ، وحث عليها الجنود ، وأثابهم إذا التزموا بها .

( يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم ) " 70 "

وأخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من أطاعني : فقد أطاع الله ، ومن عصاني : فقد عصى الله ، ومن أطاع أميري : فقد أطاعني ، ومن عصى أميري : فقد عصاني " " 71 "

وأخرجا _ أيضا _ عن عبد الله بن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : " السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية ، فإذا أمر بمعصية : فلا سمع ولا طاعة " " 72 "

وأخرجا _ كذلك _ عن عبد الله بن عباس أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : " من كره من أميره شيئا فليصبر ، فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت : إلا مات ميتة جاهلية " " 73 "

وكان ذلك كله : لأن القرار بيد القيادة ، ولو لم يكن الأمر كذلك لعمت الفوضى ، وضاعت المسئولية .

وبسبب غياب هذا المفهوم أحيانا ، أو غياب العلم بمنزلته في الدين : يدب الغبش في النفوس ، ويخيم التخبط على العقول ، وتظهر بوادر الفتن .

وبسبب منازعة الأمر أهله أحيانا ، أو التطلع إلى مواقع الصدارة ، وأماكن القيادة : يدب الحقد في النفوس ، ويخيم الفساد على العقول ، وتظهر بوادر الفتن .

وإذا حدث هذا أو ذاك : تشتتت الفهوم ، وتبعثرت القوى ، وضعفت الجماعة ، وتمزقت الصفوف ، وتعددت الجماعات ، وكثرت الاتهامات ، وقلت الإنجازات ، وابتعد النصر .

وبذلك: ندرك السر فيما ورد عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من أنه قال :" إذا بويع لخليفتين : فاقتلوا الآخر منهما "74

وفيما ورد عنه أيضا " من بايع إماما فأعطاه صفقة يده ، وثمرة قلبه ، فليطعه ما استطاع ، فإن جاء آخر ينازعه : فاضربوا رقبة الآخر " " 75 "

وما ذلك كله . . إلا للحرص على :

وحدة القيادة .

ووحدة القرار .

ووحدة الصف .

ووحدة الأمة .

وما من تمزق تعاني منه الآن : إلا بسبب من غياب هذا المفهوم ، أو عدم تسليم به .

ــــــــــــ

دروسٌ وعبرٌ منَ الهجرةِ النَّبويَّةِ · الصفحة ٢٩

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دروسٌ وعبرٌ منَ الهجرةِ النَّبويَّةِص ٢٩