تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

التبشير . . لا التخويف

على المسلم بعامة، وكل من انخرط في صف الدعوة إلى الله بخاصة ، أن يكون مبشرا ميسرا _ لا مخوفا معسرا _ يعد بفضل الله تعالى لمن أحسن ، ويرجو عفو الله تعالى لمن تاب لأن فضل الله تعالى لا يحجبه أحد ، وعفو الله لا يملكه سواه .

يقول عبادة بن الصامت ، بعد أن ذكر بنود بيعة العقبة الأولى : ثم قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : " فإن وفيتم فلكم الجنة ، وإن غشيتم من ذلك شيئا ، فأخذتم بحده في الدنيا : فهو كفارة له ، وإن سترتم عليه إلى يوم القيامة : فأمركم إلى الله ، إن شاء عذب ، وإن شاء غفر " " 33 "

يا لعظمة هذا النبي . . - صلى الله عليه وسلم - . . ! !

ويا لسماحة هذا الدين . . ! !

"وإن غشيتم من ذلك شيئا : فأمركم إلى الله "

لاحظ أخي المسلم الكريم . . أن الإشارة هنا " من ذلك " لا تعود على صغائر من الذنوب ، بل على ذنوب هي من الكبائر ، بل هي الكبائر ، ومع ذلك يقول الحبيب - صلى الله عليه وسلم - " فأمركم إلى الله إن شاء عذب وإن شاء غفر "

نعم . . من وفى : يبشره النبي - صلى الله عليه وسلم - بفضل الله وإحسانه . . ومن خالف : أيضا يبشره النبي - صلى الله عليه وسلم - بعفو الله وغفرانه .

لم يهدد النبي - صلى الله عليه وسلم - ويتوعد . . ! !

ولم يتشنج _ وحاشاه - صلى الله عليه وسلم - ويرغى ويزبد ، ويوحي لسامعيه أنه العليم ببواطن الأمور ، والقابض على مفاتيح العدل والفضل . . ! !

ولم يقل : " ومن غشي من ذلك شيئا : فليفارق دعوتنا ، وليتبع سبيلا غير سبيلنا ، حيث إنه لا يصلح في صفوفنا "..!!

لا . . لم يقل هذا ولا ذاك .

بل أفصح بأدب الدعوة الرفيع ، وأخبر عن منهجها السمح ، وبين _ بكل وضوح _ أن مفاتيح ذلك كله بيد الله سبحانه وتعالى .

وهو درس يجب أن يعيه شباب الصحوة الإسلامية المباركة ، الذين اتخذ بعضهم _ وهم قلة _ التخويف من عذاب الله تعالى فقط ، أو الإكثار منه ، في إقناع الآخرين بالطاعة لله تعالى ، منهجا ، أو التشديد على أنفسهم ، أو غيرهم أسلوبا في الحياة وطريقا .

ومن تصفح كتاب الله تعالى وجد هذا الدرس واضحا فيه بجلاء ، حيث إن آيات الرحمة أكثر فيه من آيات العذاب ، وآيات البشارة أكثر من آيات الإنذار ، بل إنه ما من آية عذاب أتت إلا أعقبتها ، أو جاءت قريبا منها آية رحمة .

ومن يفعل غير ذلك ، وغير ما فعله النبي - صلى الله عليه وسلم - ، يكون قد خالف شرع الله تعالى ، وبعد عن سنة محمد - صلى الله عليه وسلم - ، وتجرأ _ من فرط جهله _ على سماحة هذا الدين ، وأدب الدعوة إليه .

وينبغي أن يكون واضحا : أن لا يصل الداعية بهذا التيسير والتسهيل والتبشير ، حدا يدفع الآخرين إلى الجرأة على الله تعالى ، أو التسويف في القيام بأحكام هذا الدين ، أو الترخص _ بلا دليل _ في بعضها .

بل عليه : أن يكون متوازنا _ أولا _ في سلوكه ، معتدلا في تفكيره وعباداته ، يرجو رحمة الله ، وفي نفس الوقت يخشى عذابه .

كما أن عليه : أن يكون متوازنا _ ثانيا _ في عرضه لمبادئ هذا الدين ، وفي الدعوة إليه ، فيقدم الصورة كاملة ، بحيث لا يتعرض لجانب التخويف والعذاب ، وعرض صوره وأدلته فقط ، كما لا يتعرض لجانب الرجاء والعفو والثواب ، وعرض صوره وأدلته فقط ، بل يتعرض لهذا وذاك ، دون إهمال لأحدهما كلية ، أو طغيان له على الآخر ، بل يلتزم المنهج الوسط ، والعرض الأمين ، والأسلوب المعتدل .

ثم يترك النتائج لله سبحانه وتعالى .

ــــــــــــ

دروسٌ وعبرٌ منَ الهجرةِ النَّبويَّةِ · الصفحة ١١

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دروسٌ وعبرٌ منَ الهجرةِ النَّبويَّةِص ١١