تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

الهجرة.. تاريخ في التاريخ

قمر كيلاني

الهجرة النبوية الشريفة من مكة إلى المدينة بظروفها وسياقها ليست حدثاً تاريخياً.. بل هي تاريخ في التاريخ. فقد كان العرب قبل الهجرة يؤرخون كما يشاؤون نسبة إلى قبائلهم وحروبهم وغزواتهم..

وربما حوادث وظواهر تمر بهم أو يشهدونها فيقولون, هذا يوم كذا.. أو هذا عام كذا. حتى كانت هجرة الرسول فتمركزت حياة المسلمين حولها, ومن ثم العرب وسائر المسلمين. وأصبحت الهجرة بوصلة أو بوصلتين.. الأولى دينية تدور حولها العقيدة, فالذين انضموا إلى الرسول من الأنصار, والذين ما لبثوا أن التحقوا برسولهم من المهاجرين شكلوا جميعاً أول مسجد.. وأول آذان.. وأول صلاة.. وأول ثورة إيمانية أخذت تتسع وتترسخ حتى أصبحت هدفاً ومنطلقاً في الوقت نفسه..

أما البوصلة الأخرى فهي التي أصبحت تجمع القبائل العربية في سائر أنحاء الجزيرة ليلتفوا حول نواة لدولة لم يعرفوها قط. دولة تقوم على شريعة سماوية وتطبيقات عملية في العدل والمساواة, والأخوة, والحق, والهداية, ونبذ تاريخ ودخول في تاريخ.

وتشاء القدرة الإلهية أن يؤسس للدولة المدنية التي توسعت خارج الجزيرة العربية, لا تحمل رسالة سماوية فقط بل شريعة ونهجاً, ومنظومة للحياة الحرة الكريمة. ويصبح للعرب دولتهم التي تشملهم جميعاً كعرب وإن كان بينهم مسيحيون ويهود.

وما إن انتشرت الدعوة الإسلامية منذ الهجرة إلى ممالك وإمبراطوريات في الشام وفارس وبلاد الروم حتى تهاوت تلك النظم أمام الدعوة الإلهية والدولة الفتية, ثم أصبح الانتشار أمراً متواتراً ومتزامناً مع الفتوحات كما اقتضت خاتمة الرسالات. وأصبح للهجرة تاريخ ليس فقط لموضوع الهجرة بل للنصرة والنفرة من أجل إقامة مجتمعات جديدة ذات مناهج جديدة يتشعب فيها الإيمان واحترام حقوق الإنسان. وما كان في هذه المجتمعات ماهو إجبار بل اختيار مادام الإسلام يقول: لا إكراه في الدين, وتصبح الهجرة أيضاً رمزاً أسمى من كل الرموز وشعلة تفصل بين الظلمة والنور.

وإذا ما تتبعنا التأريخ بالسنة الهجرية وجدناه يشمل لا الحياة السياسية فقط بل الثقافية, والمدنية,.الولادة والموت مما هو مبثوث في كل تراثنا العربي حتى حصلت المواءمة في العصر الحديث بين التاريخين الميلادي نسبة إلى ميلاد السيد المسيح والهجري نسبة إلى هجرة الرسول الكريم والفارق معروف ومحسوب بينهما بحيث لا يخطئه الدارس أو المؤرخ أو حتى القارىء العادي. هذا وقد اصطلح مؤخراً في الكتب الحديثة أن يوضع التاريخان معاً بين قوسين أحدهما أو الآخر حسب المنبع حتى إن المستشرقين أو المستعربين أنفسهم لم يقدروا على تجاهل التاريخ الهجري الذي حمله التراث العربي بأكمله.

وما تعلقنا بالتأكيد بهذا التاريخ والاحتفاء به إلا ومضة صغيرة من قرون طويلة وصلت إلى حوالي ألف عام ونصف فهل يمكننا التخلي عنه أو حتى إغضاء الطرف سواء اجتاحتنا العولمة أم وقفنا على أعتابها من دون خوف.

ــــــــــــ

دروسٌ وعبرٌ منَ الهجرةِ النَّبويَّةِ · الصفحة ١٨٠

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

دروسٌ وعبرٌ منَ الهجرةِ النَّبويَّةِص ١٨٠