ب _ أن يكون تقدير الأمر _ في ذلك _ للقيادة ، من خلال تعاملها ، أو فهمها لهذا أو ذاك ، أو من خلال من ترشحه القيادة للقيام بهذه المهمة .
إن المنطق الظاهري يقتضي قتل سراقة بن مالك لأنه قد يدل عليهما ، خاصة وأنه لم يسلم بعد ، ولكن تقدير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لشخصه : أنه صادق الولاء لهما ، وأنه تخلى عن عدائه لهذه الحركة ، أمام هذه المعجزات .
ثانيا : لا ينبغي أن يكون الحكم على الرجل أو الفئة من الناس من خلال الماضي القريب أو البعيد في عدائهم للإسلام .
فمناط الأمر : هو الثقة بتغير هذا الرجل ، أو هذه الفئة ، مهما كان ماضيه في الحرب ضد الإسلام .
ولأن هذا الحكم للقيادة : فلها _ من خلال تعاملها ، آو فهمها مع هؤلاء الناس _ الاجتهاد الأوفى في هذا الموضوع .
وإذا كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الحكم بموجب الوحي ؛ ولذا لا يخطئ ، لأنه لا ينطق عن الهوى : فليس أمام قيادة الحركة الإسلامية سوى الاجتهاد في هذا الأمر .
ولذا : قد تخطئ القيادة في هذا الأمر وقد تصيب .
فإذا أصابت : فبها ونعمت .
وإذا أخطأت _ مثلا _ فلا غضاضة في ذلك ، ولا داعي لأن تقيم القاعدة الدنيا عليها لهذا الخطأ ، وحسبها أنها اجتهدت قدر طاقتها لصالح الدعوة .
إذ ينبغي أن يكون واضحا : أن الحركة الإسلامية في مسيرتها لإقامة دولة الإسلام ، قد تضطر إلى أن تتحالف مع عدو قريب ، وتتعاون معه ، بل تطلب منه جزءا من المناصرة جليلا أو يسيرا ، إذا اطمأنت إليه ، دون تفويت شئ من الدين ، أو ترخص في وسيلة : غير مشروعة .
وميزان هذا الاطمئنان : هو مدى ثقة هذا العدو بقوة الحركة الإسلامية .
ولذلك : فما على القيادة إلا أن تبذل الجهد في التأكد من هذه الثقة ، ولا شئ عليها بعد ذلك ، أصابت التقدير أو أخطأته .
ثالثا : إن سلوك الأعداء ، ومواقفهم من الحركة الإسلامية يجعل لدى الحركة حرية التعامل معهم من خلال المواقف ، بحيث يكون الأمر في النهاية لصالح الإسلام ودولته .
فهذا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أعطى الأمان لسراقة بناء على : فهمه له ، وتقديره لموقفه ، وثقته في تغيره ، وقد أعلن سراقة مناصرته وولاءه ، ونفذ ما أعلنه والتزم به بناء على هذا الأمان .
ولذا : فالقيادة تستطيع أن تهادن وتؤمن وتستفيد بمن تشاء وممن تشاء ، بناء على تقديرها لهؤلاء الناس ، دون قيد لها ، أو حجر عليها .
وكم نتمنى للقاعدة الإسلامية الصلبة أن تكون عونا لقيادتها على هذا التحرك _ إفادة من هذا الدرس _ لا أن توجه لها سهام النقد والتجريح ، والاتهام في وعيها وحسن قيادتها على أقل الأحوال ، وقد يصل الاتهام إلى دينها في أغلب الأحوال .
ــــــــــــ