وقد علمنا أفضل وأشرف قادة الدنيا بأسرها - صلى الله عليه وسلم - أن نقتنص الفرصة ، ونصعد أمثال هؤلاء في صفوف الحركة ، حينما انتقل بهم - صلى الله عليه وسلم - إلى بيعة أخرى ، تضعهم في موقع _ من الدعوة_ آخر ، وتحملهم من واجباتها ما هم له بأهل، ثقلا ونفعا.
وينبغي أن يكون معلوما أن التقدم للمسئولين بما ينفع الدعوة من اقتراح ، أو نصيحة ، أو تنبيه ، أو تحذير ، ليس تطفلا ، أو تدخلا فيما لا يعنينا ، بشرط أن لا يكون حبا في مغنم ، أو هروبا من مغرم .
بل هو النصيحة ، و " الدين النصيحة : قلنا : لمن يا رسول الله ؟ قال : لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم " " 60 "
وقد بين القرآن الكريم صورا من ذلك ، فيها التعليم لذلك ، ولفت الأنظار إليه .
من هذه الصور : رجل ينصح إماما من أئمة المسلمين وأنبيائهم . . بدافع من نفسه ، وأداء للأمانة ( وجاء رجل من أقصى المدينة يسعى قال يا موسى إن الملأ يأتمرون بك ليقتلوك فاخرج إني لك من الناصحين ) " 61 "
وهذا رجل آخر ينصح عامة الناس ، بدافع من نفسه ، وأداء للأمانة ( وجاء من أقصى المدينة رجل يسعى قال يا قوم اتبعوا المرسلين * اتبعوا من لا يسألكم أجرا وهم مهتدون * وما لي لا أعبد الذي فطرني وإليه ترجعون * أأتخذ من دونه آلهة إن يردن الرحمن بضر لا تغن عني شفاعتهم شيئا ولا ينقذون * إني إذا لفي ضلال مبين * إني آمنت بربكم فاسمعون * قيل ادخل الجنة قال يا ليت قومي يعلمون * بما غفر لي ربي وجعلني من المكرمين ) " 62 "
ولذلك : فعلى كل مسلم أن يبذل النصح ، الصادق ، الخالص ، المهذب ، لله ، ولكتابه ، ولرسوله ، ولأئمة المسلمين وعامتهم ، كلما وجد أمرا يحتاج ذلك ، وكلما وجد الفرصة والظروف مهيئة لذلك .
وعلى القادة والمسئولين : البحث الدائم في الصفوف ، عمن استوى عوده ، وتكاملت مؤهلات نقله وتصعيده ، لوضع آخر ، ومكان مختلف ، ومهام جديدة ، خوفا من : تجميد الكفاءات وإهدار الطاقات ، وتفويت الفرصة على الدعوة من حسن الإفادة من أبنائها ، والوصول بهم سريعا إلى أهدافها .
هذا . .وليكن معلوما أنه لكل مرحلة من مراحل الدعوة شروطها التي ينبغي أن تتوافر فيمن يتم توثيقه للتصعيد إليها .
وتختلف هذه الشروط باختلاف المراحل .
كما ينبغي أن يعلم جيدا ، أن وضع إنسان في مسئولية أكبر من قدراته : يؤدي إلى عرقلة العمل ، وفتور من يقوم به معه ، فضلا عن زعزعة الثقة به .
وكذلك : فإن وضع إنسان في مسئولية أقل من قدراته : يحرم الدعوة من الإفادة به ، وهي في أشد الحاجة إلى كل أخ قادر على العمل والعطاء .
كل ذلك _ وغيره _ أخذا من تصرف النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وحركته الواعية الهادفة مع أبناء الحركة ، وجنود الصف ، الذين علمهم ، وعلم بهم ، ولا يزال يعلم _ بهذا الدرس الحركي من دروس الهجرة _ أهل الدنيا كلها ، إلى آخر الزمان .
ــــــــــــ