سيدي إبراهيم بن منجك وهو أخص أهل دمشق بنائب الشام إشارة إلى أن مكره قد علم، فقوبل بمثله بعد إبطاله، بمرسوم لا يمكنه رده.
وفي هذا الحد شكا سلطان الحرافيش بمصر شخصا من معاملي اللحم له عليه دين، فرسم له بخلاصه، وكان رئيس المعاملين (وهم الذين يحملون لحم الجند للوزير) يقال له: الببائي (بموحدتين ومد) وهم قوم لا يمكن معارضتهم؛ لأنهم يجتمعون، فينالوا ممن شاءوا، ولا يقدر أن ينال منهم، فإن أعياهم أمر استعانوا بالمماليك الأجلاب، فلا يقاومهم أحد، وإن اشتد الخطب عطلوا يوما من اللحم، واعتلوا بأن غريمهم عاقهم عن ذلك، فيحل به، ما يجل عن الوصف.
وكانت عادة الملوك مداراة هذه الطائفة والإغضاء عن مساوئهم، وأعتاهم رئيسهم الببائي، فمنع سلطان الحرافيش حقه، وخلص خصمه من النقباء، وقيل: إنه ضرب صاحب الحق، فطلبه السلطان، فأحضر إليه يوم الثلاثاء ثالث عشري شعبان هذا، فأحضر معه جميع المعاملين؛ ليصيحوا قدام السلطان كما هي عادتهم، فلم يكن إلا أن حضر، فامر بضربه، فصار يضرب، وهو يقول له: عطل اللحم غدا، وتبدد جنده من المعاملين، فكان الفائز منهم الذي يرى أنه قد نجا، فلم يزل يضربه إلى أن سلخ جلده، وهو يقول له: أنا لا أضربك إلا لتعطيل اللحم غدا على عادتك، حتى ترى ما يكون، وتعرف إن كان اللحم من مالك، أو من مالي، فوصل صاحب الحق إلى ما أراد، وامتلأت القاهرة بهذا الحديث، وحصل لهم بإهانة هذه الطائفة وخصوصا هذا الرجل من السرور مالا يوصفن وكان لهم من الدعاء للسلطان أمر عظيم، زاده الله من فضله.
وفي يوم الثلاثاء، ثاني عشري الشهر، وصل قاضي الحنفية بدمشق، العلاء علي ابن قاضي عجلون، الجاهل، الفاسق، العاق، لا صحبه الله.
وفي يوم الخميس رابع عشريه، سلم على السلطان، وقد دار على المباشرين والأمراء، وأرضى الجميع بالمال، لما يعلم من أنه لا مروج له غير ذلك من سن، ولا علم، ولا دين، ولا سابقة خير.
ثم أخرج كتابا من نائب الشام يثني عليه فيه بالعفة والعلم، هذا مع أنه لا يعرف مسألة من المسائل مطلقا لا متقنة ولا غير متقنة، ولا أظنه قط طالع في كتاب، فلا جزى الله الكل خيرا، ولما قرئ كتاب نائب الشام دعمه المباشرون بما سيلقونه يوم تبيض وجوه، وتسود وجوه، وكان متولي كبر ذلك كاتب السر، فبان بذلك مضموما إلى قرائن أخرى أنه لا غرض له في تقديم مستحق، وبان أنهم لم يطلبوا الحميد والحسام؛ إلا لأكل هذا الجاهل.
وكان مع كتاب نائب الشام، وتأييد من أيده، قد جعل للسلطان ألفي دينار، فراج حاله، وأتقن له ذلك سوء تصرف الحميد والحسام، فإنهما كانا يظهران الاتفاق، وهما أشد شيء تخالفا، وكل منهما يلوس الآخر، وأشدهما في ذلك الحميد؛ فإنه أظهر أول ما قدم أنه لا غرض له في القضاء بوجه من الوجوه، ولو عرض عليه ما قبله، ثم صار يغار عليه ممن يذكر اسمه فقط.