كانت في الحقّ فتاة بارعة الجمال، كأنّها فلقة قمر، أو طلعة الشمس من بين السحاب الأغبر .. عرِبة عروب (1)، وضيئة مقصورة (2)، عفيفة طاهرة (3)، حَصَان رَزان (4)، خَفِرة آنسة (5)، وتمّ زواجنا بأسرع ما يكون، وسمّيتُ زوجتي أمَّ الوفاء لتدومَ العشرةُ بيننا بالمعروف، وتقوم حياتنا على الوفاء .. وكنتُ لا أعرف قليلاً ولا كثيراً من خفايا الزواج وأسراره، ولا بلاياه وأوزاره، فأنا أقربُ إلى عهدِ الطفولة الساذجة، منّي إلى نضج الرجولة .. ولكنّ الحقّ يقال: لقد نضجتُ في أشهر بعد الزواج، ما لا ينضجه غيري في بضع سنين ..
ولم تمض على زواجنا أشهر قليلة حتّى تبدّت أخلاقُها غيرَ ما ظننت .. فلم تعُد يُعجبها في حياتنا العجَب، وليس يغريها المال والذهب .. وكان المالُ بين أيديها بغير حساب، وكأنّه الدقيقُ أو التراب .. وأخذت تُدلّ بنفسها وتتمنّع، وتتكبّر عليّ وتترفّع، وأنا لستُ أدنى منها منزلة، أو أقلّ مالاً، فصبرتُ عليها تَكرِمةً لوالديّ ووالديها .. ولكنّها كانت تتمادى يوماً بعدَ يوم، حتّى لم يبق منّي في القوس مَنزَع .. فصارحتُ أمّي بما بيننا، وأنّني لم أعد أصبرُ على العيش معها .. وأفكّر جدّيّاً في طلاقها، فنهتني أمّي عن ذلك بشدّة، وقالت لي: وهل تظنُّ الحياةَ الزوجيّةَ تمرّ دائماً بالسمن والعسل،
(1) ـ هي المرأة المتحبّبة إلى زوجها.
(2) ـ الوضيئة: الجميلة النظيفة، والمقصورة هي: المصونة المخدّرة، المنعّمة في بيتها، فلا تتركه لتعملَ خارجه.
(3) ـ تكفّ نفسها عمّا لا يحلّ لها، طاهرة شريفة، بعيدة عن أيّة ريبة.
(4) ـ الحصان هي المرأة العفيفة، والرزان هي ذات ثبات ووقار وعفاف، الرزينة في مجلسها.
(5) ـ الفتاة الطيّبة النفس، وهي المحبوب قربها وحديثها.