AUTO في الكتاب
أذيعت سنة 1959
نويت أن أجعل هذا الحديث ليوم الطفل، فصحت النية ولكن لم يتم المراد.
أردت أن أتكلم فيه عن مشكلات الطفولة اليوم، فكان عن ذكريات طفولتي أنا أمس، وأردته موعظة وعبرة، فجاء قصة وذكرى. والقلم قد يجمح بيد الكاتب أحيانا كما يجمح الفرس بالفارس، فيمشي حيث يريد هو لا حيث يريد صاحبه.
وذلك أنني قعدت لأكتب هذا الحديث وأنا لم أعد عدته، لأن الوقت ضاق بي وأعجلني الموعد، فشرعت وما ركزت أسس الفكرة ولا بينت مسالك القول، وأخذت القلم أنتظر ما يفتح به علي. فما فتح علي باب القول ولكن فتح باب الغرفة، ودخل مؤمن الصغير (¬1)، ابن بنتي، وهو محمر العينين، سائل الدمع على
:
(¬1) لم يذكر جدي أمه يوما إلا وفاضت عيناه حزنا عليها واشتياقا إليها؛ رأيته كذلك مرات ومرات وقد مضى على وفاتها أربعون سنة وخمسون وستون! ولسوف ترونه يذكرها -في هذا الكتاب- في مقالة هنا ومقالة هناك، فلا يذكرها إلا بالدمع والأسى. أما قصة رحيلها فواحدة من «لوحات» علي الطنطاوي الأدبية العظيمة التي امتزجت فيها بالأدب الرفيع العاطفة النبيلة والمشاعر الصادقة، فلا يملك أن يقرأها قارئ إلا ويشاركه وجيب القلب ودمع العين. انظر: «ذكريات علي الطنطاوي» الجزء الثاني، صفحة 130 وما بعدها (مجاهد).