AUTO في لج البحر
نشرت سنة 1955
مات علي الطنطاوي ...
وليس عجيبا أن يموت، والموت غاية كل حي، ولكن العجيب أن يرجع بعدما مات ليصف لقراء «المسلمون» الموت الذي رآه!
وكان ذلك من شهرين، وكان على سيف (¬1) البحر في بيروت، وكان البحر هائجا غضبان يرمي بأمواج كأنها الكثبان، وقد فر منه الناس فليس في الشطوط كلها -على طولها وامتدادها (من سان سيمون إلى الأوزاعي) - إلا نفر قليل.
ولم يكن يعرف من السباحة إلا درسا واحدا، كان قد تلقاه من أكثر من ثلث قرن على معلم لم يسبح أبدا، هو أن يقف حيث لا يصل الماء إلى الصدر، ثم يحاول أن ينبطح ويسيب قدميه ويخبط (¬2) بيديه، ويبقى على ذلك مقدار ما يبتلع من ماء
:
(¬1) في مقالة له عنوانها «الحلقة المفقودة»، افتقد فيها طبقة من الناس تجمع بين علوم الدين وعلوم العصر. وقد وجدت عندنا الآن والحمد لله، وكان أول تلميذ من تلاميذ المدارس الحديثة اشتغل معها بعلوم الدين كاتب هذه السطور وسعيد الأفغاني، ومن بعدهما الأساتذة مظهر العظمة ومحمد المبارك ومحمد كمال الخطيب، وأول شيخ اشتغل بعلوم العصر الأستاذ الزرقا (وقد نال البكالوريا بعدي بسنة) ثم الأساتذة صبحي الصباغ ومعروف الدواليبي، ثم تعاقب الناس من الجانبين. وأنا أكتب هذا للتاريخ. أما هذا المجمع الأدبي فلم يصنع شيئا لأنه ألف تأليف الزيت والماء، مهما خضضتهما وجمعتهما عادا فافترقا، لأنهما من جنسين متباينين وطبيعتين مختلفتين.