تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

# تحبون أن أقول لكم ماذا رأيت فيه؟ رأيت سرابا ... سراب خادع، قبض الريح!

وما أقول هذا مقالة أديب يبتغي الإغراب ويستثير الإعجاب، لا والله العظيم (أحلف لكم لتصدقوا) ما أقول إلا ما أشعر به. وأنا من ثلاثين سنة أعلو هذه المنابر وأحتل صدور المجلات والصحف، وأنا أكلم الناس في الإذاعة كل أسبوع مرة من سبع عشرة سنة إلى اليوم، ولطالما خطبت في الشام ومصر والعراق والحجاز والهند وأندونيسيا خطبا زلزلت القلوب، وكتبت مقالات كانت أحاديث الناس، ولطالما مرت أيام كان اسمي فيها على كل لسان في بلدي وفي كل بلد عشت فيه أو وصلت إليه مقالاتي، وسمعت تصفيق الإعجاب، وتلقيت خطب الثناء في حفلات التكريم، وقرأت في الكلام عني مقالات ورسائل، ودرس أدبي ناقدون كبار ودرس ما قالوا في المدارس، وترجم كثير مما كتبت إلى أوسع لغتين انتشارا في الدنيا: الإنكليزية والأردية، وإلى الفارسية والفرنسية ... فما الذي بقي في يدي من ذلك كله؟ لا شيء. وإن لم يكتب لي الله على بعض هذا بعض الثواب أكن قد خرجت صفر اليدين!

إني من سنين معتزل متفرد، تمر علي أسابيع وأسابيع لا أزور فيها ولا أزار، ولا أكاد أحدث أحدا إلا حديث العمل في المحكمة أو حديث الأسرة في البيت. فماذا ينفعني وأنا في عزلتي إن كان في مراكش والهند وما بينهما من يتحدث عني ويمدحني، وماذا يضرني إن كان فيها من يذمني أو لم يكن فيها كلها من سمع باسمي؟

من حديث النفس · الصفحة ٣٠٣

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من حديث النفسص ٣٠٣