تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

طلبت المجد الأدبي وسعيت له سعيه، وأذهبت في المطالعة حدة بصري وملأت بها ساعات عمري، وصرمت الليالي الطوال أقرأ وأطالع، حتى لقد قرأت وأنا طالب كتبا من أدباء اليوم من لم يفتحها مرة لينظر فيها! وما كان لي أستاذ يبصرني طريقي ويأخذ بيدي، وما كان من أساتذتي من هو صاحب أسلوب في الكتابة يأخذني باتباع أسلوبه، ولا كان فيهم من له قدم في الخطابة وطريقة في الإلقاء يسلكني مسلكه ويذهب بي مذهبه (¬1). وما يسميه القراء أسلوبي في الكتابة ويدعوه المستمعون طريقتي في الإلقاء شيء من الله به علي لا أعرفه لنفسي، لا أعرف إلا أني أكتب حين أكتب وأتكلم حين أتكلم منطلقا على سجيتي وطبعي، لا أتعمد في الكتابة إثبات كلمة دون كلمة ولا سلوك طريق دون طريق، ولا أتكلف في الإلقاء رنة في صوتي ولا تصنعا في مخارج حروفي.

وكنت أرجو أن أكون خطيبا يهز المنابر وكاتبا تمشي بآثاره البرد (¬2)، وكنت أحسب ذلك غاية المنى وأقصى المطالب، فلما نلته زهدت فيه وذهبت مني حلاوته، ولم أعد أجد فيه ما يشتهى ويتمنى.

وما المجد الأدبي؟ أهو أن يذكرك الناس في كل مكان وأن يتسابقوا إلى قراءة ما تكتب وسماع ما تذيع، وتتوارد عليك كتب الإعجاب وتقام لك حفلات التكريم؟ لقد رأيت ذلك كله، فهل

:

(¬1) في السنة التي أذيع فيها هذا الحديث والتي بعدها أصدر جدي أكثر كتبه المطبوعة، جمع فيها ما كان نشره منجما مقالات في الجرائد والمجلات على مر السنين. أما القصص التي كتبها للصغار فسلسلة «حكايات من التاريخ» (وهي سبع) والأخرى التي في تراجم الرجال سلسلة «أعلام التاريخ» وهي في سبعة كتيبات صغار (مجاهد).

من حديث النفس · الصفحة ٣٠٢

النص من مدوّنة OpenITI (الملف المصدر)، منشور بترخيص CC BY-NC-SA 4.0. الصفحات موافقة لترقيم الطبعة المذكورة كما في الأصل الرقمي.

من حديث النفسص ٣٠٢