ولقد قرأت في المدح لي ما رفعني إلى مرتبة الخالدين، ومن القدح في ما هبط بي إلى دركة الشياطين، وكرمت تكريما لا أستحقه وأهملت حتى لقد دعي إلى المؤتمرات الأدبية وإلى المجالس الأدبية الرسمية المبتدئون وما دعيت منها إلى شيء، فألفت الحالين وتعودت الأمرين، وصرت لا يزدهيني ثناء ولا يهز السب شعرة واحدة في بدني.
أسقطت المجد الأدبي من الحساب لما رأيت أنه وهم وسراب.
* * *
وطلبت المناصب، ثم نظرت فإذا المناصب تكليف لا تشريف، وإذا هي مشقة وتعب لا لذة وطرب، وإذا الموظف أسير مقيد بقيود الذهب، وإذا الجزع من عقوبة التقصير أكبر من الفرح بحلاوة السلطان، وإذا مرارة العزل أو الإعفاء من الولاية أكبر من حلاوة التولية. ورأيت أني مع ذلك كله قد اشتهيت في عمري وظيفة واحدة، سعيت لها وتحرقت شوقا إليها ... هي أن أكون معلما في المدرسة الأولية في قرية حرستا (¬1) وكان ذلك من أكثر من ثلاثين سنة، فلم أنلها فما اشتهيت بعدها غيرها.
وطلبت المال وحرصت على الغنى، ثم نظرت فوجدت في الناس أغنياء وهم أشقياء وفقراء وهم سعداء.
:
(¬1) إلا الشيخ عبد الرحمن سلام.
(¬2) جمع بريد (مجاهد).