وَقَوْلِهِ: ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ ... ﴾ الآيتين.
في هذه الآية قطع جميع ما يتعلق به المشركون في شركهم، فذكر لهم أربع متعلقات وأبطلها , وهي:
1.أن من تدعونهم من دون الله لا يملكون شيئاً من الخلق. (لا يملكون مثقال ذرة).
2.أن من تدعونهم من دون الله لم يشاركوا الله في الخلق (وما لهم فيهما من شرك) وقوله (فيهما) أي: في خلق السماوات والأرض.
3.أن من تدعونهم من دون الله لم يعاونوا الله في شيء من الخلق (وما له منهم من ظهير) أي: معين.
4.أن من تدعونهم من دون الله لا يملكون الشفاعة فلا تسألوهم، ولو شفعوا فلا يقبلها الله , إلا أن يأذن لهم، ويرضى عنكم وعنهم (ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له).
قال ابن القيم: هذه الآية اقتطعت شجرة الشرك من القلوب.
وقال رحمه الله في كلام على هذه الآيات: وقد قطع الله الأسباب التي يتعلق بها المشركون جميعها , فالمشرك إنما يتخذ معبوده لما يحصل له من النفع، والنفع لا يكون إلا ممن فيه خصلة من هذه الأربع: إما مالك لما يريد عابده منه، فإن لم يكن مالكاً كان شريكاً للمالك، فإن لم يكن شريكاً له كان مُعيناً له وظهيراً، فإن لم يكن معيناً ولا ظهيراً كان شفيعاً عنده، فنفى الله سبحانه المراتب الأربع نفياً مرتباًً , متنقلاً من الأعلى إلى الأدنى , فنفى الملك , والشركة , والمظاهرة , والشفاعة التي يطلبها المشرك، وأثبت شفاعة لا نصيب فيها لمشرك، وهي الشفاعة بإذنه , فكفى بهذه الآية نوراً وبرهاناً وتجريداً للتوحيد , وقطعاً لأصول الشرك وموادّه لمن عقلها , والقرآن مملوء من أمثالها ونظائرها، ولكن أكثر الناس لا يشعرون بدخول الواقع تحته وتضمنه له، ويظنونها في نوع وقوم قد خَلوا من قبلُ ولم يُعقبوا وارثاً، فهذا هو الذي يحول بين القلب وبين فهم القرآن، ولعمر الله إن كان أُولئك قد خلوا فقد ورثهم من هو مثلهم , أو شر منهم , أو دونهم، وتناول القرآن لهم كتناوله لأولئك.