تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أخبر عن خروجهم من تيه البلاء ودخولهم قرية الابتلاء لقوله تعالى: ﴿وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ﴾ [البقرة: 58]، الآيتين والإشارة فيهما: أن الله تعالى لما علم من طينة الإنسان أن الأفعال والأقوال الطبيعية تنبت وتقوي ظلمة البشرية، وتزيد في حجب الروح العلوي أمرهم بالأفعال والأقوال الشرعية في التي مودعة فيهما أنوار الشرع؛ لتكون مزيلة لتلك الظلمات الطبيعية، فلما أراد بنو إسرائيل أن يدخلوا قرية ويأكلوا من ثمارها وهذه القرية ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً﴾ [البقرة: 58] ليكون سجودكم مكفراً لخطايا أعمالكم الطبيعية ﴿وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ﴾ [البقرة: 58]، الذين يطيعوننا في أنوار إيمانهم وإحسانهم.

فلما أخبر بنو إسرائيل سوء أفعالهم وبدلوا ما أمروا من مقالهم وظلموا على أنفسهم بأعمالهم وأقوالهم، ﴿فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ [البقرة: 59]، بالقول والعمل ﴿رِجْزاً مِّنَ السَّمَاءِ﴾ [البقرة: 59]، عذاباً مهلكاً في الدنيا وحجاباً معبداً في الآخرة ﴿بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ﴾ [البقرة: 59]، عن أمر بهم ويتبعون أهواء أنفسهم، كذا من لم يعرف قدر النعماء يقرع باب البلاء لتجري عليه أحكامه القضاء فامتحن بأنواع المحن والوباء.

ثم أخبر عن إتمام النعماء بإجابة الدعاء عند الاستسقاء بقوله تعالى: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾ [البقرة: 60]، والإشارة فيها أن الروح الإنساني وصفاته في عالم الغيب بمثابة موسى وقومه وهو يستسقي ربه ليرويها من ماء الحكمة والمعرفة، وهو مأمور بضرب عصا " لا إله إلا الله "، ولها شعبتان من النفي والإثبات، فتتقدان نوراً عند استيلاء ظلمات صفات النفس، وقد حمل من جنة حضرة العزة على حجر القلب الذي كالحجارة أو أشد قسوة، ﴿فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً﴾ [البقرة: 60]، من ماء الحكمة لأن كلمة: " لا إله إلا الله " اثنا عشر حرفاً كل حرف عين ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾ [البقرة: 60]، سبط من أسباط الصفاء الإنساني، وهم اثنا عشر سبطاً من الحواس الخمس الظاهرة والحواس الخمس الباطنة والقلب والنفس، ولكل واحد حيث ساقه سائقه، وقاده قائده، فمشرب عذب فرات ومشرب ملح أجاج؛ فالنفوس ترد مناهل المنى والشهوات، والقلوب تشرب من مشارب النفي والطاعات والأرواح تشرب من زلال الكشوف المشاهدات، والأسرار تروى من عيون الحقائق بكأس تجلي الصفات عن ساقي ﴿وَسَقَاهُمْ رَبُّهُمْ شَرَاباً طَهُوراً﴾ [الإنسان: 21] والخطي بخطى الاضمحلال في حقيقة الذات.

﴿كُلُواْ وَاشْرَبُوا﴾ [البقرة: 60]، كل واحد منكم ﴿مِن رِّزْقِ اللَّهِ﴾ [البقرة: 60]، بأمره ورضاه، ﴿وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ﴾ [البقرة: 60]، ترك الأمر واختيار الغرور، وبيع الدين بالدنيا وإيثار الأولى على الآخرة واختيارها على المولى.

التأويلات النجمية · الصفحة ٧٨

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التأويلات النجميةص ٧٨