تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أخبر أنه مع عظم الشأن قريب بالإحسان بقوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ [البقرة: 186]، والإشارة فيها أن من يكون مخصوصاً بخصوصية عبادي يكون سؤالهم عني لا عن غيري؛ ولأنه ﴿إِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾؛ أي: إنما كان سؤالهم عني حين سألوك؛ لأني كنت قريباً باللطف إليهم أقرب إليهم منهم بهم كقوله تعالى: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ [ق: 16]، ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]؛ أي: صفتي أني أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ، ﴿فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي﴾ [البقرة: 186]، كما إني أجيب لهم إذا دعوني؛ ليكونوا موصوفين بصفتي في الإجابة؛ ﴿وَلْيُؤْمِنُواْ﴾ [البقرة: 186]، إجابتهم أن يؤمنوا ﴿بِي﴾ [البقرة: 186] بمعني الطلب؛ أي: يطلبوني ولا يطلبون من غيري، ﴿لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ﴾ [البقرة: 186]؛ لكي يهتدوا بي؛ إذ يسألونك عني ولا يسألونك عن غيري، كما أن قوماً ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأَنْفَالِ﴾ [الأنفال: 1]، وقوماً ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى﴾ [البقرة: 220]، وقوماً ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ﴾ [الإسراء: 85] فإن قيل فلم لا تستجاب بعض الأدعية وقد وعد الله الإجابة بقوله: ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾ [البقرة: 186]، وبقوله: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: 60]، فالجواب عنه إنما لا تستجاب بعض الأدعية؛ لأن الداعي ترك بعض أركانه وشروطه، فإن للدعاء المستجاب أسباباً وشرائطاً وهي كثيرة منها ما يتعلق بالعموم كما مر ذكر بعضها وليس هاهنا موضعه، ومنها ما يتعلق بالخصوص وهي التزكية والتحلية، والإجابة موثوقة على تزكية الداعي فعليه أن يزكى البدن أولاً فليصلحه ولو بلقمة الحلال، فقد قيل: الدعاء مفتاح باب السماء، وأسنانه لقم الحلال، وقال النبي صلى الله عليه وسلم: " الرجل يطيل السفر يمد يده إلى السماء أشعث أغبر يقول: يا رب يا رب ومطعمه حارم وملبسه حرام وغذي بالحرام فأنى يستجاب لذلك " ويزكي نفسه ويطهرها عن أوصاف البشرية والأخلاق الذميمة فإنه هو الأصل في الاستجابة؛ لكونها قاطعات لطريق الدعاء وفي الحديث: " إن الله طيب لا يقبل إلا الطيب " ويزكي نفسه عن رين تعلقات الإنسان من النفساني والروحاني ويصفيه بالأذكار، وينوره بنور الأخلاق الرباني، فإن هذه أسباب القربة؛ لرفع الدعاء إلى الله تعالى، ما قال الله تعالى: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾ [فاطر: 10] ويزكي الروح عن دنس التفات لغيره؛ ليتعرض لنفحات ألطاف الحق، ويزكي اسر عن وخيمة الشرك بتوجهه إلى الحق في الدعاء؛ لطلب الحق لا لطلب غير الحق؛ ليستجاب دعاؤه ولا يخيب رجاؤه، كما قال تعالى: " ألا من طلبني وجدني من طلب غير لم يجدني " وإن الله تعالى وعد الإجابة بالدعاء فإني ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ﴾ أي: دعاءه، ﴿إِذَا دَعَانِ﴾؛ أي: إذا طلبني، وكذا قال تعالى:

التأويلات النجمية · الصفحة ١٤٥

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التأويلات النجميةص ١٤٥