ثم أخبر عن نتائج ذلك الخروج ونقض العهد كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ يَنقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مِيثَاقِهِ﴾ [البقرة: 27]، الذين ينقضون عهد الله الذي عاهدوه يوم الميثاق على التوحيد والعبودية والإخلاص من بعد ميثاقه، ﴿وَيَقْطَعُونَ مَآ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ﴾ [البقرة: 27]، من أسباب السلوك الموصل إلى الحق وأسباب النقل والانقطاع عن غير الخالق.
كما قال تعالى: ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: 8]، أي: انقطع إليه انقطاعاً كاملاً عن غيره ﴿وَيُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ﴾ [البقرة: 27]، أي: يفسدون بذر التوحيد الفطري في أرض طينتهم بالشرك والإعراض عن قبول دعوة الأنبياء، وسقي بذر التوحيد بالإيمان والعمل الصالح ﴿أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [البقرة: 27]، خسروا استعداد كمالية الإنسان المودعة فيهم كما تخسر النواة في الأرض استعداد النخلية المودعة فيها عند عدم الماء لقوله تعالى: ﴿وَالْعَصْرِ * إِنَّ الإِنسَانَ لَفِى خُسْرٍ * إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ﴾ [العصر: 1 - 3].
ثم أخبر عن كمال جرأتهم بنيسان نعمة اختراع وجودهم وكفرانهم كما قال تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 28]، والإشارة في تحقيق الآية أن قوله تعالى: ﴿كَيْفَ﴾ خطاب التهديد للكافرين عموماً وخطاب التوحيد للمؤمنين خصوصاً وخطاب التشريف للأنبياء اختصاصاً، فتهديد الكافرين ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: 28]، نطفاً في أصلاب آبائكم ﴿فَأَحْيَاكُمْ﴾ [البقرة: 28]، بنفخ الروح فيكم في أرحام أمهاتكم، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البقرة: 28]، عند مفارقة نفوسكم عن أبدانكم.
﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: 28]، عند نفخ الصور والبعث عن القبور ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 28]، بالسلاسل والأغلال، ثم يسحبون في النار على وجوههم. وفيه إشارة أخرى: كيف تكفرون بالله أي: لا تكفرون بالله وإنما تكفرون بأنبيائه وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والبعث، والجنة والنار، يدل عليه قوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ [البقرة: 28] وبأنبيائه لأنكم ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾ [البقرة: 28] ذرات في صلب آدم فأحياكم بأخراجكم عن صلبه وأسمعكم لذلك خطاب: ﴿أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ﴾ [الأعراف: 172]، وأذاقكم لذات الخطاب ووفقكم للجواب بالصواب حتى قلتم: ﴿بَلَى﴾ رغبة لا رهبة ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البقرة: 28] بالرجعة إلى أصلاب آبائكم، وإلى عالم الطعبية الإنسانية ﴿ثُمَّ يُحْيِيكُمْ﴾ [البقرة: 28] ببعثة الأنبياء وقبول دعوته ﴿ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ [البقرة: 28] بدلالة الأنبياء وقدم التوحيد على جادة الشريعة إلى درجات الجنان والنعيم المقيم.
وأما خطاب التشريف للأنبياء والأولياء بقوله تعالى: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ﴾ [البقرة: 28]، أي: لا تكفرون وكنتم في العدم، فأحياكم بالتكوين في عالم الأرواح ورشاش النور فخمر طينة أرواحكم بماء نور العناية، وتخمير الطينة أربعين صباح الوصال، ﴿ثُمَّ يُمِيتُكُمْ﴾ [البقرة: 28] بالمفارقة عن شهود الجمال إلى معبرة الحسن والخيال، كما قيل: