﴿إِنَّنَآ سَمِعْنَا مُنَادِياً يُنَادِي لِلإِيمَانِ أَنْ آمِنُواْ بِرَبِّكُمْ فَآمَنَّا﴾ [آل عمران: 193].
وأهل الصف الثاني هم خواص المؤمنين فكما آمنوا هناك؛ إذ شاهدوا فكذلك هنا آمنوا بشواهد المعرفة كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا سَمِعُواْ مَآ أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُواْ مِنَ الْحَقِّ يَقُولُونَ رَبَّنَآ آمَنَّا﴾ [المائدة: 83]، ومن هنا قال بعضهم: ما رأيت شيئاً إلا ورأيت الله فيه، وأهل الصف الأول وهم الأنبياء وخواص الأولياء فكما آمنوا هناك إذ عاينوا فكذلك آمنوا هنا إذا عاينوا كقوله تعالى: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ﴾ [البقرة: 285]، وذلك في ليلة المعراج إذا أوحى إلى عبده ما أوحى، قال: ﴿ آمَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ﴾ [البقرة: 285].
وكان إيمان موسى عليه السلام نوعاً من هذا، ﴿فَلَمَّآ أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَاْ أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: 143]، فقال علي: رضي الله عنه " لم أعبد ربّاً لم أره " قال بعضهم: رأى قلبي ربي، وقال آخر: ما نظرت في شيء إلا ورأيت الله قبله، فخاطب أهل الصف الأول: يا أيها الذين آمنوا تحقيقاً ثم أهبطوا عن ممالك القرب إلى مهالك البعد، ومن رياض الأنس إلى سباخ الإنس، ﴿إِذَا قُمْتُمْ﴾ من نوم الغفلة وانتبهتم من رقدة الفرقة، ﴿إِلَى الصَّلاةِ﴾ هي معراجكم للرجوع إلى مقام قربكم، كما قال تعالى: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ﴾ [العلق: 19].
﴿فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾ [المائدة: 6] التي توجهتم بها إلى الدنيا ولطختموها بالنظر إلى الأغيار بماء التوبة والاستغفار، ﴿وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ﴾ [المائدة: 6] أي: واغسلوا أيديكم عن التمسك بالدارين والتعلق بما في الكونين حتى الصديق الموافق والرفيق المرافق، ﴿وَامْسَحُوا بِرُؤُوسِكُمْ﴾ [المائدة: 6]، ببذل نفوسكم، ﴿وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾ [المائدة: 6] أي: واغسلوا أرجلكم عن طين طينتكم والقيام بأنانيتكم.
﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُباً﴾ [المائدة: 6]، بالتفات إلى غيرنا، ﴿فَاطَّهَّرُوا﴾ [المائدة: 6]، بالنفوس عن المعاصي وبالقلوب عن رؤية الطاعات، وبالأسرار عن رؤية الأغيار، وبالأرواح عن الاسترواح عن غيرنا، وبسر الستر عن لون الوجود، ﴿وَإِن كُنتُم مَّرْضَى﴾ [المائدة: 6]، من حب الدنيا، ﴿أَوْ عَلَى سَفَرٍ﴾ [المائدة: 6]، في متابعة الهوى، ﴿أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّنَ الْغَائِطِ﴾ [المائدة: 6]، في قضاء حاجة شهوة من الشهوات، ﴿أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَآءَ﴾ [المائدة: 6]، وهي الدنيا في تحصيل لذة من اللذات، ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَآءً﴾ [المائدة: 6]، التوبة والاستغفار، ﴿فَتَيَمَّمُواْ صَعِيداً طَيِّباً﴾ [المائدة: 6]، فتمرغوا في تراب أقدام الكرام فإنه طهور الذنوب العظام، ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ﴾ [المائدة: 6]، أي: تراب أقدامهم وشمروا بخدمتهم ﴿وَأَيْدِيكُمْ مِّنْهُ﴾ [المائدة: 6]، لأن فيه شفاء لقساوة القلوب ودواء لمرض الذنوب، ﴿مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُم مِّنْ حَرَجٍ﴾ [المائدة: 6]، بهذه الذلة والصغار، ﴿وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ﴾ [المائدة: 6]، من الذنوب الكبار وأكبر الكبائر الشرك بالله وأعظم الشرك شرك الوجود مع وجود المعبود، وهذا ذنب لا يغفر إلا بالتمرغ في هذا التراب ولوث لم يُطهر إلا بالالتجاء إلى هذه الأبواب ﴿وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ﴾ [المائدة: 6] بعد ذوبان نحاس أنانيتكم بنار تصرفات هممهم العالية بطرح إكسير أنوار الهوية ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾ [المائدة: 6]، إذ تهتدون بأنوار الهوية إلى رؤية أنوار المنعم.