تخطَّ إلى المحتوى
الفهرس

ثم أخبر عن مراده لعباده بقوله تعالى: ﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: 26]، إشارة في الآيات: إن الله تعالى أنعم على هذه الأمة بإرادة أشياء بهم:

أولها: التبيين بقوله تعالى: {﴿يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ [النساء: 26]؛ وهو أن يبين لهم الصراط المستقيم إلى الله.

وثانيها: الهداية بقوله تعالى: ﴿وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ [النساء: 26]؛ يعني: من الأنبياء والأولياء، وهو أن يهديهم إلى صراط المستقيم بالعيان بعد البيان، وثالثها: التوبة عليهم بقوله تعالى: ﴿وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [النساء: 26]، ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيماً﴾ [النساء: 27]، ﴿يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفاً﴾ [النساء: 28]؛ وهي أن يرجع بهم إلى حضرته على صراط الله تعالى، وهي أن يوصلكم إلى حضرته بالمعونة ويخفف عنكم المؤنة، وهذا مما اختص به نبينا صلى الله عليه وسلم وأمته لوجهين:

أحدهما: إن الله تعالى أخبر عن ذهاب إبراهيم عليه السلام إلى حضرته باجتهاده، وهو المؤنة، وقال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَآءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا﴾ [الأعراف: 143]، وأخبر تعالى عن آل نبينا صلى الله عليه وسلم: ﴿سُبْحَانَ الَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَا﴾ [الإسراء: 1] الذي هو المعونة فخفف عنهم المؤنة.

وأخبر عن حال هذه الأمة بقوله تعالى: ﴿سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ﴾ [فصلت: 53]، وهذا أيضاً بالمعونة وهي جذبات العناية، فقال صلى الله عليه وسلم: " جذبة من جذبات الحق توازي عمل الثقلين "، وقوله: ﴿يَا أَيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ * ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً﴾ [الفجر: 27 - 28]، هو أيضاً جذبة العناية، فافهم جيداً.

والوجه الثاني: إن النبي صلى الله عليه وسلم فقد حصن بالوصال إلى مقام ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى﴾ [النجم: 9] ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى﴾ [النجم: 13]، وبقوله: ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى﴾ [النجم: 11]، وانقطع سائر الأنبياء - عليهم السلام - في السماوات السبع.

كما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم عن ليلة الإسراء قال: " رأيت آدم في سماء الدنيا، إلى أن قال: رأيت إبراهيم في السماء السابعة "، فعبر عنهم جميعاً إلى كمال القرب والوصول، وأما الأمة فقال تعالى في حقهم: " من تقرب إليَّ شبراً، تقربت إليه ذراعاً "، وقال تعالى: " لا يزال العبد يتقرب إليَّ بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته، كنت له سمعاً وبصراً "، وهذا هو حقيقة الوصول والوصال، ولكن الفرق بين النبي والولي في ذلك: إن النبي مستقل بنفسه في السير إلى الله، ويكون خطه من كمل مقام بحسب استعداده الكامل، والولي لا يمكنه السير إلى الله إلا في متابعة النبي صلى الله عليه وسلم تسليكه في سبيل

التأويلات النجمية · الصفحة ٣١٦

النص من نسخ المكتبة الشاملة. ترقيم الصفحات كما في الأصل الرقمي، وقد لا يوافق المطبوع في بعض الكتب.

التأويلات النجميةص ٣١٦